مرحبا بك الزائر الكريم وبامكانك تسجيل الدخول من الاعلى



فيوضات الكتاب» تفسير سورة ابراهيم 3 - 4

قال تعالى : ( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (.) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )

(الذين يستحبون الحياة الدنيا) هنا وصف لهؤلاء الكافرين، فأول وصف لهم الذين يستحبون الحياة الدنيا على الاخرة، فلم يقل كفروا بي او ما اطاعوني او ما عبدوني ولكن يستحبون الحياة الدنيا على الاخرة، فاستحبابهم لهذ الحياة الدنيا جعلهم ينسون الاخرة وجعلهم يتخبّطون في الظلمات وجعلهم ينسون رب الدنيا ورب الاخرة، رب هذه الارض ورب السموات، فذلك هو اصل التخبّط، وكان سبب كفرهم بعظمة مولاهم وبسعة ملكه وجاهه وانهم لم يُخلقوا الا لعبادة هذا المولى العظيم (ويصدّون عن سبيل الله) فالصراط المستقيم الذي تكلمنا عنه هو سبيل لله فبدايته التعظيم والتقدير وتبجيل هذا الاله العظيم وهم يصدّون عنه ويبتعدون عنه لان لهم وجها اخر الى الدنيا ليس وجهتهم هذا الرب، فمن كانت وجهته هذا الرب فهو ينتظر الوقوف بين يديه وينتظر الاخرة ويسعى لها سعيها ويعمل لها عملها ولكن هؤلاء لانهم استحبوا هذه الحياة الدنيا على الاخرة فصدوا عن سبيل الله (ويبغونها عوجا) اي يريدونها اعوجاجا في الطريق لانه اصبح متخبطا في طريقه وحياته يفعل على هواه ويفعل ما يشتهيه معتقدا ان هذا هو السبيل الى الله سبحانه وتعالى، فعلامة السبيل الى الله وعلامة الهداية والاستقامة هو تعظيم المولى ودخول عظمته في القلب، وكلما كان في قلبك تعظيم للمولى فاعلم انك على صراط مستقيم وان وجدت انه لا يوجد تعظيم حقيقي للمولى فاعلم ان هناك خلل (اولئك في ضلال بعيد) لانهم اعوجّوا عن هذا الطريق وعاشوا في ظلمات الدنيا وظلمات الهوى، وظلمات الدنيا دائما كما قلنا وجه اخر للاخرة، فكلما ازددت تعلقا في الدنيا ابتعدت عن الاخرة ولذلك قال ضلال بعيد، والضلال دائما يتصل بالمحبة، فالمحبة لغير الله ضلال لان كل ما تحبه يجذبك اليه، فالطريق الى الله هو الخط المستقيم الذي يؤدي بك الى الله سبحانه وتعالى ويسرع بك الى الله، فأي الاشياء الاخرى على جوانب الطريق إن احببتها وعشقتها انجذبت اليها فملت عن الصراط، فإن كان اخذت منها دون تعلّق القلب بها فلست بضال، فإن تعلق بها قلبك فقد أصبحت في ضلال عن الطريق المستقيم، فان احببت الله سبحانه انجذبت اليه، وان انجذبت اليه سبحانه لن تضل، فأساس عدم الضلال في الطريق محبة الله وكلما زادت محبة الله في قلبك كلما كنت في أمان من ان تضل بغيره..

(وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبيّن لهم) فدائما هذا الرسول يجب ان يكون من نفس القوم الذين أرسل اليهم وبلسانهم حتى يفهموا منه ويأخذوا عنه ليبين لهم، لانه لو تكلم بلغة تختلف عن لغتهم ما فهموه ولكانت لهم حجة، واللسان هنا هو ظاهر وباطن، فظاهره اللسان الحسي اي اللغة وباطنه لسان الطّبع اي ان يكون عالما بعُرْفِهم وعاداتهم ومنهاجهم وتقاليدهم، لان هناك بعض الامور تكون مقبولة في قوم ومكروهة عند قوم اخرين فلا بد ان يكون الرسول متفهّما لعادات القوم وتقاليدهم حتى يؤثر فيهم، فالاساس هو التاثير فما يهمنا هو الغاية (ليبين لهم) ويبيّن من البيان والوضوح، فأصل الرسالة هي التبيان فاذا لم يتبيّن للانسان حقيقة الدعوة لم يقم بالوصول الى المبتغى الرئيسي وتحقيق هذه الرسالة السماوية، فلا بد ان يكون الوضوح وقدرة الرسول على التوضيح والتبيان (فيُضل الله من يشاء) وهذه الاية من الايات المشتبهات التي يفسرها بعض الناس بطريقتهم مثل ان يقولوا ان الله لا يريدني ان اهتدي او لو ان الله اراد هدايتي لهداني او ان الله يريدني هكذا، وهذا خطأ كبير في فهم هذه الاية، فالمقصود بهذه الاية انه اذا وضحت الحجة وقامت الرسالة وتبيّن لك الامر فان اردت انت او فهمت انت المقصود وأردت ان تهتدي فهنا انت تكون في هداية من الله سبحانه وتعالى وان كنت انت اعترضت فضللت فالحق سبحانه تعالى أذِن بضلالك لأنك انت لم ترد الهداية بعدما عرفت وتبين لك الحق، اذن جاءت بعد التبيان وبعد وضوح الحقيقة، اذا وضحت الحقيقة لك فصدّقت وآمنت فانت اهتديت (يهدي من يشاء) وإن وضحت الحقيقة لك فكذبت واعترضت وعارضت (فيضل الله من يشاء) فالضلالة والهداية هي بعد التبيان، واختار المشيئة لانها حقٌ لله، فانت اذا اردت الضلال وهنا ارادة فلا تستطيع الضلال الا اذا اعطى الله الاذن بذلك فانت من اسم الله الضال تَضل وباسمه الهادي تهتدي، فالمشيئة اقوى الارادات وليس للانسان شأن بها وهي من الاسماء التي أُستُودِعت في الروح تجلّت لك بعد ان اردت، فإرادتك سابقة ولكنها نفذت بمشيئة الله سبحانه وتعالى فالفاعل للفعل يشاء هو الله وليس الانسان، لان المشيئة كما قلنا هي اعلى الارادة وهي شيء اقوى من ارادة الانسان فلو قال يُضِل من يريد لكان لها وجه، فاذا اراد الانسان نفذت المشيئة بفعل الاسم سواء الضال او الهادي الذي استودعه الله في الروح، لانك لا تستطيع اي فعل تفعله الا باذن من الله ومشيئته (وهو العزيز الحكيم) فمهما ضل الانسان فيبقى المولى عزيزا ذو سلطان لم تؤثّر في سلطانه سواء ضللت ام اهتديت، وجاء بالاسم العزيز لان الملوك اذا عارضهم احد فان اول شيء يأخذهم هو العزة، فالحق سبحانه وكأنه يقول لهم انتم لا شيء اذا عارضتموني او خالفتموني، فيبقى عزيزا حكيما، والحكمة تجلّت هنا لانه لم يعذبهم في وقتها، فمن حكمته ان يصبر عليهم، فالحكمة دائما تولّد الصبر، والحكيم فينا هو من لم يسارع بعقوبة او بمكافأة اذا كان غير مستقر المزاج فلا يعاجل بل يصبر لانه ربما اليوم اهتدى وغدا يضل وربما اليوم ضل وغدا يهتدي، فانت تعطي الوقت والفرصة للاخرين ومن اجل ذلك أُقتُرِنت الحكمة بالعزة فالملوك اذا قُدِحوا في عزتهم او كرامتهم عَجِلوا بالعقوبة، ولذلك تجد الكثير من الايات (العزيز الحكيم) وهذه تعاليم لنا نحن البشر فلا تتخذ قرارا واحوالك مزاجية فاذا قدح فيك احدهم فلا تعاجل العقوبة واهدأ واعطيه الوقت واعطيه الفرصة فربما يعتذر منك ويعرف خطأه، فهذه من تعاليم الحق الينا من هذين الاسمين..

[--يتبع ان شاء الله تعالى--]

لا يوجد اي تعليق على هذا الموضوع
  • صفحة 1 من 1
التعليق:
التعليق على المواضيع خاص للأعضاء المسجلين فقط
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع هدىً للعالمين © 2014
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تعديل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تسجيل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
دخول
أعلى الصفحة