مرحبا بك الزائر الكريم وبامكانك تسجيل الدخول من الاعلى



فاتحة الكتاب» بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الفاتحة هي مقدمة القرآن العظيم، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وإن المقدمة يُجمع فيها كل ما دلّ عليه محتوى الكتاب، وإن الله سبحانه قد جمع فيها جميع ما في كتابه العزيز.. وقد بدأها بقوله : (بسم الله) والباء هي باء الصلة وهي الصلة بين العبد وربه، وهي باء استعانة العبد بمولاه، وباء البدء والتقديم، فبها تقدّم ذكر الله على كل شيء، وإنّ القوم إذا قالوا: باسم فلان؛ فإنهم يعنون: بعزته وجلاله، فقولك: (بسم الله) أي بعزة الله وجلاله.. والباء مكسورة دلالة انكسار العبد بين يدي مولاه، فإن شهود العزة والكبرياء يستلزم الانكسار والخضوع، ولا يصل العبد إلى مولاه إلا بانكساره وخضوعه، فإن انكسر لله تنزّل الله له بالقرب والإجابة.. والاسم هو الصفة يقول الله تعالى: (بئس الاسم الفسوق) أي بئس الوسم والصفة الفسوق، واسم الله أي صفته والصفة هي الخلق والمعاملة فهو يتجلى للعباد بأسمائه ويعاملهم بصفاته ولذا فإن العبد يدعو ربه باسمه (الرحمن الرحيم)، وإنّ هذا تحقيق قوله: (قل ادعو الله أو ادعو الرحمن أيّاً ما تدعو فله الأسماء الحسنى)..

أمّا اسمه سبحانه (الرحمن) فهو الاسم الذي سمّى به نفسه ليكون حاكماً على سائر خلقه، فـ (الرحمن) هو الاسم الذي جمع سائر الرحمات، وقد اختص هذا الاسم لنفسه فلا يكون لأحد من خلقه.. وبه ساد مملكته، وهذا الاسم يعني السلطان الذي يحكم بالرحمة والعدل والحكمة، وهذا معنى قوله: (الرحمن على العرش استوى) أي ساد على عرشه برحمته، وحكم مملكته بسلطانه، ومن هذا الاسم تجلت سائر أسمائه المتوجهة على مخلوقاته..

ولمّا كان اسمه (الرحمن) هو الاسم الجامع للأسماء المتوجهة على المخلوقات فساسها بسياسة الله العظيم، كان اسمه (الرحيم) هو الاسم الذي اختصه لرحمة خلقه، فإن اسمه (الرحمن) هو تاج العرش، واسمه (الرحيم) هو قلب العرش، فبـ (الرحمن) علا فوق كلّ شيء، وبـ (الرحيم) تنزّل إلى خلقه..

واعلم أيها المخلوق أنه لمّا خلقك بيده ونفخ فيك من روحه كساك ببشريتك واستودع روحك المدبّرة سرّه وسرّ أسمائه كلّها، فبأسمائه المستودعة في روحك تكون، وبإرادته تريد، وبقدرته تفعل، وببصره تبصر، وبسمعه تسمع، ولو نزع سرّ صفة منك لما استطعت شيئاً بدونها.. ولهذا فإنه لم يقل: (بالله الرحمن الرحيم) وجعل اسمه واسطته بينك وبينه فقال: (بسم الله)، فإنك تشهد أسماءه، وإنك كسوة الباء التي استودع فيها الحق الروح التي سرى فيها سرّ أسمائه..

وقد غابت ألف القيومية فيك لشهود روحك لأسمائه فلم تُكتب: باسم الله، وكتبت (بسم الله) وهذا لسرّ الروح التي حوت أسماءالحق، فصلتك أيها العبد به هي صلة روحانية..

وإن نقطة الباء هي بشريتك التي سجدت لله وحملت الأمانة، وإنّ النقطة إذا علتك صرتَ نوناً والنون هي سرّ عقلك التي بها تتحكم فيما تحتك، فإنّ نقطة بائك حاملة لك، ونقطة نونك تملي عليك، ولهذا قد حقّ عليك الحساب.. ولمّا كانت البسملة هي حضرة أسماء الحق العليّة ومحلّها الروح التي من أمره سبحانه خفيت فحقّ الإسرار بها في الصلاة..

وإنه لمّا كانت البسملة هي افتتاح القرآن العزيز وهي افتتاح الفاتحة كانت هي سرّ المنهج الإلهي، وهي الجامعة لمراد الحق من خلقه، ولهذا فقد جعلها ثلاثة كلمات فالأولى (بسم الله) والثانية (الرحمن) والثالثة (الرحيم)، وفيها قد جُمعت درجات ومراتب الولاية والدّين..

فأول تلك الدرجات هي اسمه: (الرحيم)، وفيها يتجلى الحق برحمته ولطفه ورأفته ورفقه وكرمه، وفيها تظهر صفات العبد بذله وانكساره ومسكنته، ويكثر الاستغفار وطلب العفو من مولاه، كما يكثر من تضرعه لمولاه وطلب الحاجات، فيبدأ أن يرى فضل مولاه عليه وأنه المنعم المعطي المتفضل قابل التوب مفرج الكرب.. 

فإن استقرّ ذلك في قلبه فإنه يرتقي إلى الدرجة الثانية وهي شهود اسمه (الرحمن)، وهنا يتجلى الله باسمه (الملك) فيصبح العباد بين يديه جنداً، لا يريدون إلا رضاه، وهنا يعرفون سيادته وسعة ملكه وقدرته على كلّ شيء، فلا يريدون إلا أن يرفعوا اسمه ويعلون ذكره ويهزمون الشيطان عدوه، ومن هذا المقام تنال ولاية الرحمن جلّ في عزته وسلطانه..

فإن استقرّ ذلك في قلبه فإن يرتقي إلى الدرجة الثالثة وهي شهود (بسم الله)، فيكون من الذين امتلأت أرواحهم بأسرار الشهود لأسماء الله، فسموا المقربين، وهم الذين أصبحوا جلساء الملك العظيم الذين عرفوا قدره فهابوه وأجلّوه ومجدوه ورفعوا ذكره وأعلوا اسمه في صدورهم وفي الأرض، فهم بعزة الله وبإرادته يعملون، فكان منهم النبيون والصديقون..

لهذا كان (الرحيم) هو درجة الصالحين الذين هم أهل الولاية العامة، و(الرحمن) هو درجة الخاصة من الأولياء أهل الشهود و(اسم الله) هو درجة المقربين من النبيين والصديقين..

وهؤلاء جميعاً هم أهل (بسم الله الرحمن الرحيم) وهم أهل الله وأهل جنته، ومن كان من أهل (بسم الله الرحمن الرحيم) فإن له الأمان من النار ولهذا كانت تسعة عشر حرفاً بعدد زبانية النار من الملائكة الغلاظ الشداد الذين لا يعصون الله ما أمرهم؛ لأنه من عصى الله زلت قدمه، ومن زلت قدمه فقد هوى، إلاّ أن يتغمده الله برحمته.. ولهذا كانت (بسم الله الرحمن الرحيم) هي دائرة الولاية وهي الأمان من العذاب، ولهذا فقد تساوى عدد حروفها مع حروف قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) وفي ذلك إشارة إلى أن ثمرة الهداية إلى الصراط المستقيم هي الدخول في أهلية (بسم الله الرحمن الرحيم)..

[يتبع بإذن الله تعالى]

الاسم : وفاء مكاوي

التعليق :
جزاكم الله خير

6/18/2015 5:36:39 AM

  • صفحة 1 من 1
التعليق:
التعليق على المواضيع خاص للأعضاء المسجلين فقط
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع هدىً للعالمين © 2014
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تعديل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تسجيل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
دخول
أعلى الصفحة