مرحبا بك الزائر الكريم وبامكانك تسجيل الدخول من الاعلى



العقيدة والتوحيد» الدعاء والذكر بالألفاظ والكلمات التي لا يُعرف معناها

مقدمة

غايتي من هذه المُقدّمة هو بيان منشأ هذه الأسماء والكلمات وسبب انتشارها.. فقد بدأت هذه الدعوة المحمّدية خالصة نقيّة ملؤها النور والصفاء وشعارها الوضوح والبهاء، يقول رسول الله : (تركتكم على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيع عنها إلاّ هالك)..

فقامت الدولة الإسلامية على ذلك النور السماوي الوهّاج، واكتملت شريعة الله، فعرفوا القرآن وأحكامه، وعبدوه سبحانه بما علّمهم إياه رسولهم عليه من الله كلّ صلاة وسلام، فصاروا خير أمّة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله..

وكلّ ذلك لم تكن ترد في أذكارهم أو تعبّداتهم أو مناجاتهم أو أدعيتهم ألفاظ من غير العربية، فقد كانوا يناجون الله الكريم جلّ في علاه بكلام عربيّ فصيح بليغ، كيف لا وقد عظّم الله سبحانه شأن هذه اللغة وبالغ في قدرها بأن قال فيها سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال كذلك: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا) وقال: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال سبحانه: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ) وقل جلّ وعلا: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) فامتدح اللسان العربي وأشاد به، وقال: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (.) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (.) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (.) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) وقال تعالى: (كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ) وقال تعالى: (قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) وقال: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) وقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)..

وممّا ورد عنه عليه الصلاة والسلام قوله: (أنا عربي والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.. وشرفت العربية على سائر اللغات بذلك فكانت هي اللغة السائدة وهي اللغة الباقية إلى أبد الأبد..

وحتى بعد وفاته وفي عصور خلفائه كانت عبادتهم كلّها بلسان عربيّ مبين، ولم نسمع عن أحد من خير القرون أنه التجأ إلى الله بلغة من اللغات الأخرى أو تعبّده بأسماء غريبة وغير ذلك..

وبعد ذلك برز أهل الله الأكابر في الدعوة إليه سبحانه، والتفّ حولهم المؤمنين ينهلون العلم غضاً طرياً وكأنه حديث عهدٍ بالله وبرسول الله، وصارت مجالسهم يحضرها العوام والخواص يرجون نفعاً ويلتمسون صلاحاً وينهلون علماً..

ثمّ بدأت تظهر فئة من المدّعين للمشيخة، أخذوا يزعمون بأنهم أهل كرامات فكان الشيطان لهم عوناً، وزيّن لأتباعهم طريق أولئك المُدّعين، فأخذوا هؤلاء يدّعون الخوارق والكشوفات وأنهم يلتقون بالملائكة ويسمعون تسبيحهم، فاختلط الحابل بالنابل ولم يُعرف الصادق من الكاذب..

ومن الذين كانوا يعاصرون أهل الله في زمانهم بعض الدجّالين والُمشعوذين والسحرة، وهؤلاء رأوا اجتماع الناس حول المشايخ فأرادوا أن يكون لهم حظو عند الخلق، بغيةً في جذب القلوب إليهم ومنيةً في جمع الأموال وأملاً في تحصيل الجاه، فأخذوا يتصوّرون بالصلاح ويلبسون ثياب الزهد، فكانوا يستغلّون الفرصة تلو الفرصة فما أن يتوفى أحد أهل الله إلاّ وتجد أن أحد أولئك الدجّالين يدعي أنه قد أذن له بالدعوة إلى الله والتربية والإرشاد، وأنه ألقي له علم لدنيّ، فيستميلون القلوب الحائرة، ويصدعون بما يُسمّونه العلوم الباهرة، فنشروا علومهم السفلية وجعلوا أتباعهم يصدّقون ذلك وأن هذه العلوم هي من أسرار الله، فترى جلّ علومهم كتابة الأوفاق والطلاسم، وتراهم يبرعون في صناعة التمائم في شرف النجوم والكواكب مدّعين أنّ لذلك أسراراً روحانية ومعاني عرفانية، وأن ذلك تسخير للملائكة العلوية، فضلّوا وأضلّوا، وفسدوا وأفسدوا، فيا خيبة التابع ويا تعاسة المتبوع!!..

ومن هنا ظهر ما ظهر من أقسام وأسماء تعلّمها هؤلاء وأخذوها عن ألسنة الجن والمردة.. وممّن ظهر كذلك فئة المجاذيب الذين كانوا يتكلمون ببعض ما كانوا يسمعون من تسبيحات الملائكة وكانوا يتلفظون بها، وأحياناً كانوا يخطئون في لفظها، فكانت العامة تاخذ تلك الكلمات وينسبون إليها الأسرار، وأنّ فيها ما لا يعلم قدره إلاّ الله، وهكذا..

معاني بعض الألفاظ والمسميات الواردة ومعرفة دلالاتها ومعانيها

ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر قولهم: (طهور. بدعق. محببه. صورة. محببة. سقفاطيس. سقاطيم.) هذه أسماء نُسبت للشيخ العارف بالله أبي الحسن الشاذلي رحمه الله ولها تكملة: (أحون قاف أدم حم هاء آمين)، وزعم ناسبوها أنها كانت في دائرة من الدوائر التي رسمها الشاذلي وعدّوا لها أسراراً، ووضعوا الطرق في كتابتها وصنفوا فيها أبحاثاً.. وهذه الأسماء ليست أسماء لله كما يزعم البعض، وإنما هي بعض الكلمات التي نطق بها بعض المجاذيب وكان يقصد أن يقول إنّ الله مبتغى كلّ الأشياء وأنه ملتجأ الأرواح..

وهناك العديد من الألفاظ التي من العبرانية وغيرها يزعمون أنها من اللغة السريانية التي فتح بها على أهل الله وأنهم يسألون الله ويذكرونه بها، والحق سبحانه يقول: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)، وأهل الله من هذه المزاعم براء..

واعلم أيها الطالب للعلم أنّ اللغة السريانية هي لغة أرواح، ولا يزال الملائكة يتكلمون بها وكذلك بعضاً من الجن، وهي نوعان: لغة أحوال، ولغة تواصل، فأمّا لغة الأحوال فهي ليست حروفاً واضحة المعالم، بل هي بعض الأصوات الناتجة عن قوة الوارد (الحال) في القلب نتيجة النور الشديد الذي تضطرب معه الروح، فتُحدث في الجسم غيبة وتظهر على اللسان بعض الأصوات والحروف، فإذا سمعها أحد ظنّ أنها نوع من المسمّيات الروحانية وغير ذلك.. ولم ينطق بها إلاّ المجاذيب، ولم نرَ أحداً من المُتمكّنين من أهل الله سواء أكانوا سالكين إليه سبحانه أم كانوا من العارفين به من ظهرت عليه هذه الأمورأو نطق بها..

أمّا لغة التواصل فهي لغة لها حروفها وكلماتها ومعانيها، ولكنها تختلف في لهجاتها بين المتكلّمين بها، فتجد لغة الملائكة غير لغة الجن، وحتى اللهجات بين الجن تختلف من قبيلة إلى أخرى، وهكذا.. وممّا يُعجب له أنّ أهل الله الأفاضل إذا ما سمعوا الملائكة أو الجن يتحدّثون فهموا كلامهم، ولا يحتاجون إلى ترجمان.. وإذا خاطبتهم الروحانيات فإنها تخاطبهم باللغة التي يفهمونها، وهذا حقّ لا شكّ فيه، ولنا في ذلك حديث معراج رسول الله عندما عرج به خادم الوحي سيدنا جبريل الأمين ، فكان رسول الله يفهم كلام ملائكة الرحمن حينما استفتح سيدنا جبريل بالدخول، ولمّا سلّموا عليه وكلّموه.. وذلك أنّ الأرواح لا تقيّدها اللغات فهي تفهم جميع اللغات، وإلاّ كيف كانت ملائكة الحسنات والسيئات تكتب الحسنات والسيئات لأي شخص مهما كانت لغته، وكيف كانت الملائكة تعرف تسبيح بني آدم ودعائهم على أية لغة كانت..

فنحن لا نحتاج إلى اللغة السريانية أو غيرها ما دامت لغتنا العربية مفهومة حتى عند الأرواح الأخرى.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: ما الذي يضطرنا إلى أن نخاطب الله سبحانه ونسبحه ونقدّسه بلغة لا نفهمها؟ ألا يعلم الله سبحانه كلّ لغة وكلّ حرف وكلّ صوت؟ هل كان رسول الله وصحابته يستخدمون تلك الأسماء والكلمات والطلاسم ليعبدوا الله بها؟ عجباً لأمرك أيها المسلم! تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيا سبحان الله!!

ويعتقد البعض أنّ بعض هذه الكلمات هي عزائم لتسخير الملائكة، فيتلونها ويقسمون بها على الملائكة، ظانّين زاعمين أنهم بذلك يُسخّرون الملائكة لقضاء حوائجهم.. ولعمري أنّ ذلك جهل فيمن اعتقد ذلك، لأنّ الملائكة رضوان الله عليهم لا يتلقّون تعليماتهم من أحد غير الله سبحانه، والله سبحانه لا يُؤمَر من أحد، فكيف لو كان ذلك بمجرّد كلمات لا يُعرف لها معنى أو مقصد.. يقول الله سبحانه: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ويقول سبحانه: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (.) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) فهم عليهم السلام أهل أمر وليسوا أهل نهي، وأمرهم لا يتلقّونه إلاّ من الله.. وليعلم هؤلاء الذين يستخدمون تلك الأقسام والعزائم معتقدين أنهم يقسمون على ملائكة الرحمن، أنهم لا يقسمون إلاّ على الجن وهذا لعمري حق لا شكّ فيه، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم آياته: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (.) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (.) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)، ويقول الحق سبحانه عن أولئك الذين يستعينون بالجن ويستغيثون بهم: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)..

فليحذر أولئك الذين يعبدون الله بغير علم ويظنون أنهم على الهدى أنهم هم الأخسرون، يقول تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (.) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (.) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)..

وهناك الكثير من الأسماء والطلسميات التي تستخدم في العزائم والأوفاق وغير ذلك، ومنها ما يُعرف بطلاسم إبليس ومنها أسماء كانت مأخوذة من زمن نبي الله نوح عليه السلام، ومنها أسماء تداولها السحرة والمشعوذين من زمن نبي الله سليمان بن داود عليه السلام، ومنها أسماء لبعض ملوك الجن الذين كانوا يستغيثون بهم ويستعينون بهم، ومنها أسماء ونعوت للذات الإلهية ولكن بلغات غريبة كالسريانية والعبرانية وبعض اللغات القديمة، وهكذا، وأهل الله بريئون من هذه الأسماء والكلمات ولا يصحّ عنهم شيء من ذلك، ولا يوجد أي كتاب لأحد من أهل الله المعروفين ذكر فيه أنه يستخدم مثل هذه الأسماء، وهذا واجبنا تجاه أولياء الله الصالحين أن لا ننسب لهم ذلك الأمر فنكون بذلك قد أنقصنا قدرهم وعلمهم، فهذا أسلم لنا ولهم، والله أعلم وأحكم..

أخواني الفقير يبرأ بلسان جميع أهل الله من كلّ ذلك، فأهل الله لا يعبدون الله إلاّ بدين الله وشريعة الله، وعلى نهج وسنة وهدي سيدنا وحبيبنا ومرشدنا ورسولنا وقائدنا محمد رسول الله ..

والفقير يدعو جميع الأخوة والأخوات إلى ترك تلك الأسماء، فكيف يعبدون الله العلي القدير بأسماء لا يعرفون لها علماً أو يفهمون لها معنى، فهذا غير مقبول، فلا أجمل من أن تناجوه سبحانه وتدعوه وتذكروه باللغة التي كان يتعبّده بها خير خلقه محمد عليه الصلاة والسلام، وخلفه من بعده الصحابة الكرام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وقال عليه الصلاة والسلام: (لن يبلغ الرجل درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به خشية ما به بأس)..

وإني أناشدكم الله سبحانه أن تلزموا ما كان عليه رسول الله وأصحابه، ويكفيكم ما قاله رسول الله عن الفرقة الناجية يوم تهلك سائر الفرق: (ما أنا عليه وأصحابي)، فيكفيكم شرفاً أن تكونوا كما كان خير الخلق وأصحاب خير الخلق، وفي ذلك يوصينا ربّ العزّة قائلاً في كتابه: (وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا)..

سامحوني على الإطالة إخواني (إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).. والله يقول الحق وهو الهادي إلى سواء السبيل، ولا تنسونا من الدعاء، والله يقول الحق وهو الهادي إلى سواء السبيل..

أمّا بخصوص اللغة السريانية، فهي بفتح السين والراء (السَرَيانية) هي لغة أحوال الملائكة، وهي من سريان الحال فيهم عليهم السلام، والملائكة لها قلوب تستشعر الأحوال السارية فيهم، والدليل على أنّ لهم قلوباً قوله تعالى: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).. وفي ذلك يقول رسول الله في الحديث الشريف: (إذا تكلّم الله تعالى بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجرّ السلسلة على الصفا، فيُصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فُزّع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل، ماذا قال ربك؟ فيقول: "الحق"، فيقولون: "الحق.. الحق")..

أمّا (السِرْيانية) بكسر السن وتسكين الراء هي لغة تواصل لها حروف خاصة وكلمات خاصة ويتحدث بها بعض الشعوب ويتحدث بها كذلك بعض طوائف الجان وجميع الملائكة عليهم السلام..

والملائكة عليهم السلام لا يتكلمون فقط السريانية بل تقريباً جميع لغات أهل الأرض وزيادة وكلّهم عليهم السلام يتكلمون العربية وبجميع لهجاتها، وقد ورد أنّ منهم عليهم السلام من يسبّح الله بالعديد من الألسنة وكلّ لسان يسبح الله ويقدّسه بآلاف اللغات، فتبارك الله أحسن الخالقين..

أخواني في الله:

هل أدلّكم على ما هو خير من ذلك كلّه، وخير لكم من جمع الدنيا وما فيها، وخير لكم من لغات الخلق كلّهم، وخير لكم ممّا طلعت عليه شمس في المشارق وغربت عليه في المغارب؟؟؟

إنه "كتاب الله"، ذلك الذي قال نبيّكم فيه: (كتاب الله.. فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم.. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.. وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم.. هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعت به حتى قالت: (إنا سمعنا قرآنا عجبا (.) يهدي إلى الرشد فآمنا به).. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم)..

كلام الله سبحانه، نور لمن قرأه، وهدىً لمن طلبه، وشفاعة لمن به اقتدى، عربيّ لسانه، بديعٌ بيانه، شفاء للقلوب، وتفريج للكروب، وقرب من علاّم الغيوب (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟)..

لقد عرفنا عن رسول الله أسرار القرآن التي لا تستطيعها الأوفاق ولا تقدر عليها الطلاسم، فمن قرأ سورة الواقعة كلّ ليلة فلن تصيبه فاقة أبداً، فهل الأوفاق تفعل ذلك؟ وعرفنا آية الكرسي وآيات الحفظ وآيات الاستعاذة، وآيات الشفاء وغيرها الكثير والكثير، ألا يغنيكم هذا عن طلاسم الحروف وغيابات الأوفاق ومنكرات الأقسام والعزائم..

شغلتم أنفسكم بعلم الحروف وأسرارها وادّعيتم أنها من علوم الصالحين الواصلين، وما الحروف إلاّ مخلوقات من خلقه سبحانه، وأهل الله لا تشغلهم المخلوقات بل يشغلهم خالق الخلق أجمعين، فإنّ لله سبحانه أهل من الناس لا تشغلهم الأكوان وما فيها ولا المخلوقات طرّا بأسرها، علويها وسفليها عن الله جلّ وعلا طرفة عين، ألا يستحقّ أولئك أن يكونوا هم الصالحون حقاً؟!!

يقول رسول الله : (إنّ لله أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته).. ويقول ربّ العزّة في كتابه الكريم: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)..

أوصيكم أهل محبتي بأن تتركوا عنكم التوسّل بحروف السريانية والآرمينية والعبرانية وغيرها، وتعاهدوا حروفاً لا يملّ تاليها، ويؤجر قارؤها، يقول في ذلك رسول الله : (من قرأ حرفاً من كتاب الله كان له به عشر حسنات، لا أقول (الم) حرف، ولكن "ألف" حرف، و"لام" حرف، و"ميم" حرف)..

(وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا (.) قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (.) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا (.) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)

(إنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها).. إنه كتاب لم يتكلم به بشر، ولم يحرّفه مخلوق، تنزيل ربّ العالمين الذي تتزلزل لعظيم سرّه الجبال، وتتصدّع من جلال هيبته أشدّ الأثقال (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)

أين هذا الذي ترجون، وإليه تسعون، وعنه تدافعون من حروف لا تعرفون معانيها، وأوفاق لا أصل لها، أين هذه الأمور من عهد رسول الله وعهد صحابته رضوان الله عليهم، ألم يقل : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).. لم نعرف عن أحد من صحابة رسول الله أنه تكلّم بها يوماً أو أقسم بها أو ما شابه ذلك.. فلمَ لا نعود لعهد رسول الله وعهد صحابته الأتقياء الأحفياء الأولياء الذين كانوا بشريعة الله خير الأمم وتوّجوا بالعلم الرؤوس؟ تلك الشريعة الغرّاء البيضاء الصافية النقية التي لا يزيغ عنها إلاّ هالك، ورضوا بالله رباً يُعبدُ ويُقصد، وبالإسلام ديناً يُنتهج (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)، وبمحمد معلّماً ومربياً ومرشداً يأخذون عنه خير هدي وينهلون من علمه النور الذي لا تتخلله ظلمه (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (.) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

يقول جلّ وعلا: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، وقال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)..

أخواني وأهل مودتي، لستُ أقصد بكلامي هذا جدلاً، ولكني ناصح أمين لكم، أرجو لكم ما أرجوه لنفسي، فاحرصوا على أن تلقوا الله بما يثقل موازينكم ويُعلي قدركم ويدنيكم منه ويقرّبكم نجيّاً.. دعوا عنكم ما لا ينفعكم وما لا يرفعكم، فإنه لن يسألكم يوم القيامة عن أسرار الحروف ماذا فعلتم بها، ولكنه الوعد والوعيد، (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا (.) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا)..

كونوا لله سبحانه عبيداً مخلصين، عليه متوكلين، أهلَ حلم وأناة، أهلَ علمٍ وحكمة.. إنّ أهل الإيمان إذا همّهم أمرٌ لجأوا إلى من بيده ملكوت كلّ شيء متضرّعين خائفين وجلين، رافعين أكفّ الضراعة والرجاء، موقنين بإجابته لما قدّموه من الدعاء، دموعهم تجري على الخدود خشيةً ورهبةً للواحد الأحد، تراهم في محاريبهم كملائكة السماء، تطير بهم أفئدتهم إلى أنيسهم ومحبوبهم سكرى غرقى في عشقه، لا يحجبهم كونٌ عنه، ولا يزحزحهم مُلكٌ ولا ملكوت عن باب قدسه، ولا تستهويهم غرائب المخلوقات وعجائب المظاهر، أسرارهم في بواطنهم، وحزنهم حزن الثكلى صبراً وحنيناً لطيب اللقاء، طوبى لهم، تفرح بهم الملائكة، ويشتاق إليهم الجليل، وتبكي الأرض حرقةً لفقدان أحدهم.. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم..

 يقول الحق سبحانه في كتابه العزيز: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (.) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (.) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (.) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُون)..

إنني لا آمن عليكم إلاّ ما أمن به عليكم رسول الله حيث قال: (إني تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به فلن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي).. فلا ضمان إلاّ في الكتاب والسنة، ولا خير إلاّ في اتباعهما، يقول رسول الله : (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ)..

فإن كان كلام الفقير مخالفاً لما جاء به خير الخلق محمد فلا تأخذوا به، وإن كان موافقاً لما جاء به الحبيب فأكون قد بلّغت وأدّيتُ الحجة، والله وليّ المتقين..

هذا والله من وراء القصد، يقول تعالى في محكم كتابه: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (.) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)..

لا تنسونا من الدعاء الصالح، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

الاسم : Mohamed Hafez

التعليق :
بارك الله فيكم وجزاكم خير الجزاء على كلامكم الطيب

8/20/2014 8:29:23 AM

  • صفحة 1 من 1
التعليق:
التعليق على المواضيع خاص للأعضاء المسجلين فقط
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع هدىً للعالمين © 2014
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تعديل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تسجيل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
دخول
أعلى الصفحة