مرحبا بك الزائر الكريم وبامكانك تسجيل الدخول من الاعلى



فيوضات الكتاب» لطائف قوله تعالى : (رب اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري)

الحمد لله الذي استودع كلامه عجيب أسراره، وأفاض على قلوب أصفيائه تجلّيات أنواره، فكان كلامه صفته التي لمكنون العلم حوت، وفتح به قلوباً له بسرّ العبوديّة ارتقت (الله الذي نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم).. والصلاة والسلام على النبيّ الذي فاق الأنبياء بفضلٍ ليس له مثيل، وازدان هذا الدين به لمّا كان هو للسالكين خير دليل، سيدنا محمد النبي العربيّ الحاوي في ذاته لبّ الحقائق السماوية، وأسرار الرتائق الإلهية، وعلى آله وصحبه وخير أمته آمين.

فالدعاء مخّ العبادة، بل هو العبادة؛ لما فيه من توجّه العبد لمولاه بالتضرّع والخشوع والإنابة.. ولمّا كان الدعاء هو تحقيق العبودية المحضة للربّ الجليل، كان على العبد أن يلوذ به استجلاباً لمواهب الكريم..

وهذا نبيّ الله موسى بن عمران عليه السلام يسأل ربه بتلك الكلمات التي أشارت إلى أذواق فريدة نسعد ببيان بعضها، ليقف الذاكرون على حقائق تنير قلوبهم، وتعينهم على القرب من حضرة المولى وتزيدهم منه قرباً..

فنقول وبالله التوفيق، وعليه التكلان، وله التوجّه ومنه الرجاء والرضوان:

بدأ هذا الدعاء الموسويّ بالتوجّه إلى حضرة الربّ الكريم، وهي حضرة تحوي الربّ والمربوب، فذاك طالبٌ منكسرٌ مستكين، وهذا عظيمٌ جليلٌ جوادٌ.. ومن شرط شهود الربوبية أن يستحضر العبد عبوديته وما تستدعيه من أحوال الذلّ والعجز والضعف والفقر، وهذا هو الحال الموسوي حيث أخبر عنه الحقّ على لسانه: (ربّ إني لما أنزلتَ إليّ من خيرٍ فقير)، فشهد عليه السلام فقره وحاجته لعطاء ربه، وهذا سرٌّ عظيمٌ من أسرار الاستجابة.. فكيف يعطيك سؤلك وأنت لا تشهد حاجتك إليه، فبقدر شهودك لعبوديتك، بقدر ما تستجلب عطفه وفضله وكرمه، فافهم ما قلت لك (فإن لم تبكوا فتباكوا)..

ولاحظ أدب نبيّ الله موسى عليه السلام في ابتدائه في شهود ربّه قبل شهود نفسه، وهذا مهمّ في التوجّه إلى الله سبحانه.. فأهل الله يبدؤون بالله شهوداً، ثم بأنفسهم خضوعاً، واعترافهم بعبديتهم أمام ربوبيته..

واعلم أنّ ما طلبه نبيّ الله موسى عليه السلام من انشراح الصدر، فإنّ له في ذلك معنى، وهو أنّ الصدر محلّ انقسام النور الذي يصبّ في القلب، فانشراح الصدر هو اتساعه لاحتواء نور الحقّ، (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه) فافهم، فإنّ نور الربوبية نور يضيء الطريق ويوضّح السبيل ويورث الهداية، والدليل قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)..

فمن هنا يتضح لك أيها الذاكر مدى الفائدة التي يحققها انشراح صدرك بنور ربك، لما يعطيك إياه من الهداية، ومعرفة الله على بصيرة، وهذا ما طلبه سيدنا موسى عليه السلام، حتى لا يضلّ الطريق، لأنّ الضلال يورث ضيق الصدر (ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً)..

ولاحظ أيها الطالب لأسرار الأكابر، والمستفيض نهلاً من علوم القرب، أنّ المولى الكريم قرن انشراح الصدر بتيسير الأمر، وهنا إشارات خفيّة لأهل الإشارة، فكأنّه سبحانه يخبرنا أن من فوائد انشراح الصدر بنور الإيمان، تيسير الأمور وتذليل العسير، وها هو المولى يخاطب حبيبه صلى الله عليه وسلّم بقوله: (ألم نشرح لك صدرك) إلى أن قال: (فإنّ مع العسر يسراً، إنّ مع العسر يُسراً)..

فمن هنا استنتجنا أنّ انشراح الصدر سبب في تيسير الأمر، وأعظم ما يشرح الصدر هو حلاوة الذكر، والحضور مع المولى فيه (ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب) واطمئنانها يشرح صدر الذاكر ويشهده عظمة وقدرة مولاه، وأنه جار من جاوره، وأنيس من استأنس به، وعون من استعانه، وغياث من استغاثه، ولذلك كان المنشغل بذكر الرحمن تسهل بانشغاله في مولاه جميع الصعوبات فقد أخبر رسول الهدى صلى الله عليه وسلّم مخبراً بلسان ربّ العزّة: (من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)، وقال صلى الله عليه وسلّم: (من جعل الهموم همّاً واحداً كفاه الله سائر همومه).. ولهذا كان موسى عليه السلام طالباً للفعل، ومحمد صلى الله عليه وسلم يطلبه الفعل، فقد بدأه الحق من غير سؤال: (ألم نشرح لك)، وأعطى موسى بعد الطلب: (قد أوتيتَ سؤلك يا موسى)، فذكر موسى باسمه وقال لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلّم: (ورفعنا لك ذكرك)، فشتان بين الطالب والمطلوب، والذاكر والمذكور..

وهذا بديهيّ في تلازم المعاني في دعاء نبي الله موسى عليه السلام، فكن لله ومع الله في سائر شأنك، وانظر ما يفتح به عليك من فتوح ويظفرك بالمأمول، فالتوجّه إليه مفتاح، وما يهبك إياه كنوز.. فلا تتعلّق بالبحث عن الكنز دون أن يكون لديك المفتاح الذي يفتح لك مغاليق الغيب وسرادقات العز..

اسأل الله للجميع فتوح العارفين، وفيضاً من أنوار الصادقين، وجعلكم الله من الذاكرين الموحّدين، آمين آمين..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين 

الاسم : وفاء مكاوي

التعليق :
آمين يا رب العالمين

10/27/2014 3:14:11 AM

  • صفحة 1 من 1
التعليق:
التعليق على المواضيع خاص للأعضاء المسجلين فقط
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع هدىً للعالمين © 2014
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تعديل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تسجيل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
دخول
أعلى الصفحة