مرحبا بك الزائر الكريم وبامكانك تسجيل الدخول من الاعلى



حقائق النفس» كمال القلب والعقل.. ميزان الحكمة والعدل

 

إنّ الحق سبحانه خلق الخلق مراتب، واستودع في كل مرتبة خصائصها، فخلق القلم وقال له: اكتب، فكتب ما كان وما سيكون إلى قيام الساعة. وخلق العرش وجعله دائرة ملكه ومتسع رحمته، فكان العرش قلب الوجود لأنه استوى عليه بالرحمة، فتراه يهتز للظلم ويتسع للعدل. وخلق الكرسي وجعله مهبط أمره ونهيه وفيه دوائر السموات السبع والأرضين، فمن أطاع فله الجنة ومن عصى فله النار.. وكنتَ أيها الإنسان سرّ هذه المخلوقات ومستودع جميع المراتب، وكنتَ صورة الأكوان، ومحلّ نظر الحنّان المنّان، فإن سلكت الطريق إليه هُديت، وإن ضللت سبيل أهل التقى شقيت..

إنّ أساس الطريق أمران: العقل والقلب، فالعقل هو العلم والحكمة، والقلب هو الإيمان والأخلاق، والعقل هو صورة القلم الأعلى، والقلب هو صورة العرش، والقلم حاكم على اللوح المحفوظ الذي هو محلّ كتابة المقادير، والعرش حاكم على الكرسي الذي هو محلّ السعادة والشقاوة، لذا كان العقل محلّ التدبير فبه تفكّر وبه تقرّر، وبه تستطيع حل المشكلات وبه تهتدي في الظلمات.. أمّا القلب فهو وعاء الأخلاق والأذواق، فبه ترحم وتغضب وبه تعطف وتتجبر وبه تعفو وتعاقب.. فبالعقل (العلم والحكمة) تحسن بإذن الله أقدارنا، وبالقلب (الإيمان والأخلاق) تكون بإذن الله سعادتنا أوشقاوتنا..

فإذا أردت أن تكون عبداً كاملاً فعليك أن ترقّي العقل والقلب عندك، وإن أردت أن تكون على أقدام الرسل فعليك أن ترقّي العقل والقلب عند الآخرين، يقول الحق سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) وقال سبحانه: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ)، فالتعليم نور العقل والتزكية نور القلب، وبدون ذلك يحدث الخسران المبين، وخسران العقل ضلال وخسران القلب غضب، يقول تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) الذين أضاعوا القلب، (وَلَا الضَّالِّينَ) الذين أضاعوا العقل..

ولهذا السرّ فقد فاق العلماءُ الحكماءُ في درجاتهم درجاتِ العبّاد وكانوا بذلك ورثة الأنبياء؛ لأنّ العقل هو الأسمى وبالعقل يمكنك أن ترسم الطريق للآخرين، ولهذا السرّ كذلك كان القلب أساس السعادة والشقاوة في الآخرة، فإنّ الحق سبحانه يقول: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (.) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (إنّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم) لأنّ العقل أداة الهداية ومنه الوسيلة والقلب أداة الفلاح ومنه الغاية والنتيجة.. فبرجاحة العقل توزن الأمور وبصفاء القلب تكتسب السعادة.. ولهذا يقول الحقّ سبحانه: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ) أي بعقلك (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) بقلبك، وبذلك تحكم الأمرين فتتقن الوسيلة وتصلح لك النتيجة..

والرفعة عند الله سبحانه تكون بهذين الأمرين، فقد قال عزّ وجلّ: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، فبالأخلاق والحكمة تنال الرفعة في الدرجات، وقد عبّر عن الأخلاق بالإيمان لأنّ الإيمان حوى في مجمله شعب الأخلاق، فكان الإيمان هو ما اتصفت به بينك وبين الله والأخلاق هي ما كنت تتعامل به مع خلق الله.. وأعلى الإيمان توحيد الله، وأعلى الأخلاق الرحمة لخلق الله..

أمّا العقل فهو أكرم ما شرّفت به، فبه تكتسب العلم، وبه تتضح الأمور، وبه تهتدي في الظلمات، وبه تعرف الخير والشر والحلال والحرام والصواب والخطأ، وبه تحيط بالأمور من جميع جوانبها.. فالعقل غذاؤه العلم، ونوره الحكمة، وأداته الفكر، وطريقته المنطق، ومهارته الإبداع، وبريقه التميّز، فمن أعطي خير العقل فقد أعطي خيراً كثيراً..

فطوبى لمن كان هواه في الله، وكان سعيه لمرضاة مولاه، واغتسل بماء الحكمة، وأشرقت عليه أنوار التوحيد، فكان أحمدياً محمّدياً، وصار في الورى مرضيّاً.. ذلك الذي يحبّه الله ويحبّ لقاءه، فكونوا ممّن ارتضاهم الله لنفسه، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين..

لا يوجد اي تعليق على هذا الموضوع
  • صفحة 1 من 1
التعليق:
التعليق على المواضيع خاص للأعضاء المسجلين فقط
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع هدىً للعالمين © 2014
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تعديل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تسجيل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
دخول
أعلى الصفحة