مرحبا بك الزائر الكريم وبامكانك تسجيل الدخول من الاعلى



فقه الشريعة والقانون» رسالة في الأصول الفقهية والقواعد التشريعية

 نظراً لأنّ الفقه هو من أهمّ الأمور التي بدأت في النضوب من القلوب، ونظراً لأهمية هذا العلم خاصة وأنه علم الأحكام والحلال والحرام، فعلى تطبيقه نُحاسب غداً بين يدي المولى الكريم الرحيم، فإنه قد صار لازماً علينا أن نأخذ منه ما يقينا من عذابه سبحانه..

فإنّ الحق سبحانه دعا إلى تعلّم الفقه في كتابه العزيز فقال: (فلولا نفر من كلّ فرقةٍ منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، وكم من حديث أشاد بتعلّم الفقه، فيقول عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، وقال كذلك المصطفى الأمين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم: (فقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد)..

وقد رأيتُ الكثير من الناس في هذا العصر يزهدون في هذا العلم حتى وكأنه لا يعنيهم كمسلمين، ولا يهتمّون فقط إلاّ بعلوم السلوك والأذكار والعبادات، مع أنّ كلّ ذلك لا يصحّ إلاّ بالفقه.. وكم وجدتُ من أناسٍ تصدّروا للدعوة إلى الله سبحانه وهم لا يعرفون أصول الدين فضلاً عن فروعه.. وكم وجدتُ من أشخاصٍ مقلّدين وليسوا متفقّهين.. فإنّ الفقه هو الفهم، ومن لم يكن له فهم في الخطاب التشريعي فليس بفقيه..

لذا فقد رأيت وضع هذه الرسالة في أصول الفقه وضوابطه وفي القواعد التشريعية بأسلوب سهل مبسّط مُيسر.. وعلم أصول الفقه هو أساس الفقه الذي يجب على كلّ متصدّر للفتوى معرفته والعلم به، وليُعلم أنّ هذه الرسالة لا تتبع مذهباً بعينه، فكلّ ما ورد فيها هو في الأصول العامّة.. ولا يعني أنّ من قرأ هذه الرسالة ووعاها أنّه يصبح عالماً فقيهاً، وذلك أنّ الفقيه يحتاج لكثير من الأمور كعلوم اللغة العربية وعلم التفسير وعلوم الحديث والناسخ والمنسوخ وعلم المجتمعات وأُسساً في علم النفس وبعضاً من علم الطب وغيرها من الأمور المتعددة، ولكنّ هذه الرسالة تعدّ لبنة أساسية في ما يحتاجه طالب العلم من أصول وضوابط يبني عليها أمره، وتساعده على الفهم الصحيح لهذا الدين وأحكامه.. والله يقول الحقّ وهو الهادي إلى سواء الصراط...

مصادر التشريع الإسلامي:

قال رسول الله : (إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي)، وذلك له أصول وضوابط على الفقيه أن يعيها ويتقنها قبل أن يتصدّر للفتوى. وكلّ من لم يستطع أخذ الأحكام من هذين المصدرين فليس بفقيه عندنا ولا يؤخذ بعلمه، والقاعدة عند الفقير تقول: ( من قدّم النقل على العقل فهو فقيه، ومن قدّم العقل على النقل فهو سفيه) والنقل هو النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، والعقل هو الهوى والرأي؛ ولا يعني ذلك التقيّد بظاهر النص دائماً، فيمكن أن يكون ظاهر النص لا يدلّ دلالةً واضحة على المعنى المطلوب، ولكن بوجه عام أنّه في حالة وجود النصوص الواضحة فالأخذ بها أوجب من الترك، ولا يجوز مخالفتها برأي أو هوى.. وحقيقة الدّين أنه دينٌ كامل لا نقص فيه كما أخبر بذلك جلّ وعلا: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)..

والأخذ عن الصحابة في فتواهم لا يُنافي الأخذ عن رسول الله ، حتى وإن اختلفوا في بعض المسائل فهو بسبب الاختلاف في فهم النصوص، أمّا قوله : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) فالمقصود أنهم على نفس طريقته وهديه، وليس المعنى أنهم خالفوا منهجه وأتوا بسنة مخالفة لسنته عليه السلام، وقوله كذلك: (صحابتـي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم) فيعني أنكم بأيهم اقتديتم اهتديتم لسنتي وطريقتي، وإلاّ من أين كان يأخذ فقهاء الصحابة فتواهم وأحكامهم، ولذلك فلا يصح عندنا للتشريع إلا القرآن والسنة، وما ابتدعه بعض الصحابة لا بأس به لأنه لا يخالف قواعد السنة كما سنبيّن ذلك إن شاء الله تعالى وكما بيّنها من قبل رسول الهدى محمد .. 

 

الأمر باتباع القرآن والسنة وردّ الأحكام إليهما:

اعلم يرحمك الله تعالى أن القرآن الكريم هو المنهج والدستور الذي يستنبط العلماء المسلمون منه أحكامهم لأنّ الحقّ سبحانه قد ذكر فيه كلّ شيء ، يقول تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)..

وقد أمرنا الحقّ سبحانه أن نرجع في مسائلنا إلى الكتاب والسنة، فقال سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا) وقال تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) وقال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا)..

وغيرها الكثير من الآيات التي تأمر بطاعة الله ورسوله والتمسك بالكتاب والسنة وحسبنا قوله : (إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي).. 

 

القياس:

اعلم يرحمك الله سبحانه، أنّ المسألة إن كان لها أصل في كتاب الله وسنة رسول الله أخذنا بالدليل الشرعي كما أسلفنا، أمّا إن كانت المسألة لا يوجد لها دليل نصّي جاز القياس على مسألة متشابهة معها بشرط اشتراك العلّة..

والعلّة: هي الحكمة من الحُكم أو هي المدار الذي دار عليه الحكم، فإن لم تُعرف العلّة بطل القياس.. ويجب أن تستنبط العلّة من الدليل نفسه، ولا يصحّ القياس بدونها..

ومثال القياس المخدّرات، فإنه في زمن الرسول لم تكن موجودة آنذاك، ولكنّ هناك أمور عديدة يمكن القياس عليها واستنباط الحُكم، وأكثر تلك الأمور هي تغييب العقل، حيث أنّ تلك العلّة مستنتجة من حكمة تحريم الخمر، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، ونذكر في ذلك قوله : (كلّ مسكر حرام)، وقوله كذلك: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)..

فالواضح من النصين السابقين أنّ العلّة هي الإسكار وهو ضياع العقل، وهذه الخاصية مشتركة مع المخدّر لأنه يضيع العقل ويغيّبه.. وقس على ذلك جميع المسائل التي نحتاج فيها للقياس..

لذا فخلاصة الأمر أنّ القياس له ثلاثة شروط:

1-أنّ تكون المسألة مستحدثة لم يرد فيها أدلة صريحة ومباشرة..

2-وجود أصل للمسألة، قد ورد فيها أدلة ونصوص شرعية..

3-اشتراك المسألة مع الأصل في علّة مشتركة وهذه العلّة هي الحكمة المأخوذة من نفس الدليل..

 

الاجتهاد:

الاجتهاد هو البحث في المسألة الفقهية التي لا يوجد أصل ثابت لها، وذلك دون أن يجد الفقيه ما يسنده من الأدلّة والنصوص حتى يتمكّن من القياس عليها، وهذا هو الاجتهاد.. فإن أصاب فله أجران أجر الصواب وأجر الاجتهاد، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد.. وعلى الفقيه أن يحذر في اجتهاده حذراً شديداً حتى لا يُحلّ حراماً، أو يحرّم حلالاً، فإنّ الفتوى خطرها جسيم، وأمرها عظيم، وقد قيل: "زلّة عالِم زلّة عالَم"..

والاجتهاد يمكن أن يكون في فهم نصّ موجود، لأننا كما قلنا أنّ الفقه أصله الفهم، وفهم الخطاب يمكن أن يُحمل على وجوه عدة، فمن الفقهاء من يأخذ بظاهر النص، ومنهم من يأخذ بالحكمة من النص نفسه.. ومن ذلك قوله لبعض صحابته في رواية البخاري: (لا يُصلّينّ أحدٌ العصر إلاّ في بني قريظة) فلمّا أدركتهم الفريضة فانقسموا إلى فرقتين بحسب اجتهادهم، فمنهم من أخذ بظاهر النص وصلّى العصر قضاء في بني قريضة، ومنهم من حملها على الحكمة من وراء النص وهو الإسراع ليصلوا مبكرين إلى بني قريظة، ولم ينكر رسول الله على أحد منهم..

وهكذا فإنّ المجتهد إن اعتمد على النص الموجود وفهمه فهماً لا يخرج به عن أصله جاز اجتهاده، فهو بين أنّ يكون مصيباً وبين أن يكون مخطئاً، وفي كلا الحالتين هو مأجور..

 

إسناد الحديث وعلاقته بالأحكام الشرعية، ومرتبة الحديث الضعيف واستنباط التشريعات منه:

اعلم وفقك الله سبحانه قبل الخوض في هذا الأمرأنّ الإسناد هو في الرواية وليس في المتن، فصحة الحديث وحسنه هي صحة السند وعدالة الرواة واتصالهم وثبوت سلسلة الرواية وعدم وجود ما يجرح في سيرتهم، وغيرها من الأمور التي تتحكم في شروط الصحة عند علماء الحديث، لذا فإنه لا يعني ذلك أن يكون الحديث الضعيف غير صحيح المتن ولكن يعني أنّ هناك خلل ما في إسناد الحديث، فيصبح المتن عرضة للشك من حيث الصحة أو عدمها، وهكذا..

فالحديث الصحيح أوثق من الحديث ذي الإسناد الحسن، والحسن أوثق من الضعيف وهكذا.. ولا يعني ذلك أنّ الحديث الحسن لا يُمكن أن يرقى لدرجة الصحيح، فإنك تجد أحاديث عند بعض علماء الحديث صحيحة حسب شروطهم وتجدها حسنة عند آخرين.. لذا فإنه في الأحكام الشرعية يُعتبر الحديث الحسن يناهض الحديث الصحيح؛ لصحة أخذ الحكم عنه.. لذا فإنه في هذه الرسالة إن أورد الفقير كلمة الحديث الصحيح فإنّ الحديث الحسن يدخل فيه.. والله تعالى أعلم.

فإن ورد حديث صحيح أو مجموعة أحاديث في مسألة ولم يرد غيره من الأحاديث التي تعارضه فالأخذ به واجب..

وإن ورد حديث صحيح وعارضه حديث صحيح آخر في نفس المسألة ولم يرد غيرها من الأحاديث التي تساند أحدهما، فإنّ ذلك سيعود إلى قواعد أخرى من حيث هل يمكن الجمع بينهما أم هل أنّ أحدهما ينسخ الآخر، وكلّ ذلك سيرد معنا في هذه الرسالة إن شاء الله..

واعلم وفقك الله سبحانه أنّ الحديث الضعيف قد اختلف فيه الكثيرون فبعضهم قال لا يؤخذ به البتة، وبعضهم قال بأنه يؤخذ منه الفضائل فقط، وله عند الفقير ثلاثة أحكام فقهية:-

1-أن الباب إذا اشتمل على حديثين مثلاً أحدهما: صحيح والآخر: ضعيف واختلفا في الحكم التشريعي أخذنا بالصحيح لعلو إسناده على الضعيف..

2-أن الباب إذا لم يشتمل على أحاديث صحيحة أو حسنة ولكن ورد به حديث ضعيف أخذنا به، لعدم ورود ما ينافيه حكماً وصحّةً، ولا نردّ الضعيف وقتها لأن الضعف في السند وليس في المتن.. ويُردّ الضعيف في حالات خاصة كأن يختلف مع بعض الأصول الثابتة أو أنّ الأخذ به يمكن أن يؤدّي إلى الحرج الشديد أو غير ذلك..

3-أن الأحاديث الضعيفة إذا كثرت في مسألة معينة أو في باب معين رَقَت كلّها إلى مرتبة الحسن أو الجيد لأنها تؤازر بعضها بعضاً، ولعدم وجود ما ينافيها على الصحيح..

 واعلم -وفقك الله- أنّ الأصل في التشريع هو اليقين وليس الشك، فإنّ الأحكام تُبنى على الثوابت الواضحة (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات).. ودائماً تردّ المسائل إلى أصولها، فإنّ الأصل هو اليقين. لذا فإنّ ما صحّ من الحديث كان أصلاُ في التشريع ما لم يُنسخ.. أمّا الحديث الضعيف فهو مشكوك في صحّته لوجود العلّة في السند، فيحتمل ذلك صحّة الحديث أم عدم صحته..

 فإذا ما وجدنا حديثاً ضعيفاً في الباب الواحد ولم يكن فيه أية أدلّة أخرى صحيحة فإننّا أولاً نعود إلى الأصول الفقهية فإن كان الحديث الضعيف لا يحرّم حلالاً ثابتاً، أو لا يحلّ حراماً بائناً، أو لا يؤدّي إلى فتنة أو حرج أو غير ذلك من الأمور فإننا نأخذ به كدليل مع الإشارة إلى ضعفه لعدم وجود دليل آخر في الباب..

 إذن فالحديث الضعيف لا نأخذ به في الأحكام إلاّ بشكل غير مباشر، فلا نبتدئ به الحكم بل ننتهي به، وبمعنى آخر: الحديث الضعيف لا يُشرّع ولكن يمكن أن يُستدلّ به.. أمّا إن ورد ما يعضد الحديث الضعيف كآية قرآنية أو أحاديث أخرى ضعيفة فإنه يمكن أن يرقى إلى درجة الأخذ به وبما فيه من أحكام..

  وما دام الحديث الضعيف مشكوك في صحته فإنّ الأسلم عندنا أنه إذا ورد في الحديث الضعيف نهي أخذنا به وانتهينا ورعاً وسلامة في الدين لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يبلغ الرجل درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس) ولقوله : (اتقوا الشبهات)، فالأخذ بالأحوط أولى..

 وعلينا أن نفرّق بين الحديث الضعيف وبين الحديث الموضوع أو الذي لا أصل له، فإنّه لا يجوز أن نقول عن الحديث الذي لا أصل له عند علماء الحديث بأنّه حديث وارد عن رسول الله ، لذا فإنه يتعين علينا الرجوع إلى سند الحديث وتخريجه عند العلماء قبل الأخذ به أو ردّه، فكم من حديث نسب إلى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام ولا أصل له عند المُحدّثين، بل هو من كلام العامّة وما شابه..


  تعريف الأحكام الشرعية:

اعلم يرحمك الله تعالى أنّ الخطابات الشرعية تنقسم إلى أمر ونهي ومنها تخرج الأحكام التشريعية، فيكون الأمر قسمين: واجب ومندوب وهو المستحب، والنهي كذلك قسمين: المُحرّم والمكروه ..

فالواجب: كل أمر شرعي ورد في تركه عقوبة شرعية ..

والمندوب: كلّ أمر شرعي لم ترد في تركه عقوبة شرعية..

والمُحرّم: كلّ نهي شرعي ورد في فعله عقوبة شرعية ..

والمكروه: كلّ نهي شرعي لم ترد في فعله عقوبة شرعية ..

وما عدا ذلك فهو المباح الشرعي لقوله : (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها).. فيكون المباح هو حكم خامس خارج عن الخطاب التشريعي أي أنه ليس بأمر أو نهي ..

وما سبق هو مجرّد تعريفات وسيأتي معنا ذلك بشيء من التفصيل والإحاطة إن شاء الله في مواضيع لاحقة عند الحديث عن القواعد الفقهية في معرفة الحلال والحرام..

لاحقة: أمّا الفرض: فهو في اللغة التخصيص والتحصيص كقوله تعالى: (أو تفرضوا لهنّ فريضة)، وفي الشرع فهو كلّ أمر أوجبه الله بنفسه لا يُعذر تاركه بتركه، كالصلوات الخمسة.. والفرض لا يكون إلاّ من الله سبحانه، يقول تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، وقال عزّ وجل: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له)، وقال سبحانه: (إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد)، وقال : (إنّ الله فرض فرائض فلا تضيّعوها)..

أمّا قوله : (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) فيُؤخذ من العلم ما يقوم به صلاح إسلامهم وسلامة قلوبهم، ولو كان مجرّد العلم بأركان الدين لتأدّى الفرض بذلك.. فالعلم بأركان الإسلام فرض، والعلم أنّ الله حق والنبي حق والموت حق والقبر حق والساعة حق والجنة حق والنار حق كلها فرض على كلّ مسلم ومسلمة لأنها لو لم تكن معلومة لديه فلن يسلم له عمل.. وأن يعلم أنّ الشرك يُبطل العمل وأنّ من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة.. ويجب عليه أن يعلم الحرام حتى لا يقع فيه، وهكذا فإنّ فرض العلم ما يحفظ صاحبه من البلوى ويقيه النار، يقول سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة)..

والركن: هو ما يقوم الشيء به، فنقول مثلاً: أركان المنزل.. ولكلّ عبادة أركان تقوم بها.. وإذا اختلّ ركن ما اختلّ بناء الأمر كلّه..

أمّا الواجب: -فكما قلنا سابقاً- هو كلّ أمر ورد فيه عقوبة على تركه، هذا في الأحكام.. أمّا في العبادات فالواجب هو ما ورد الأمر بفعله ويبطل العمل بتركه عمداً، ويُجبر نسيانه، كما تُجبر الواجبات في الصلاة بسجود السهو، وتجبر الواجبات في الحج بالدم..

 

أركان التكليف الشرعي:

1. الإسلام: فغير المسلم غير مُكلّف بحكم من الأحكام الشرعية؛ وذلك أنّ من لم يكن مُسلماً فلا يُقبل له عمل وذلك لقوله تعالى: (ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه) وقوله تعالى: (يوم يرون الملائكة لا بُشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجورا (.) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا)..

2. العقـل: لأنّ التمييز شرط في فهم الخطاب وصحة العمل (لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى حتى تعلموا ما تقولون)، ويقول عليه الصلاة والسلام : (رفع القلم عن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل، وعن النائم حتى يستيقظ)

3. البـلوغ: ويبلغ الرجل إذا احتلم أو بلغ سن الاحتلام وهو عند الفقير خمسة عشر عاماً أيهما أسبق، والفتاة تبلغ إذا حاضت أو بلغت سن خمسة عشر عاماً أيهما أسبق، ودليلنا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عُرضت على النبي يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني. متفق عليه. وفي رواية للبيهقي : فلم يجزني ولم يرني بلغت. وصححه ابن خزيمة، والله أعلم. فالشاهد قوله: (ولم يرني بلغت).. وحتى لو كان ذلك رأي الصحابي في أنّ النبي لم يره قد بلغ بعد، ولكننا نأخذ برأي الصحابي وخاصة إن كان من الصحابة الأكابر الذين رووا عن رسول الله الكثير من الأحاديث، وربما حُمل القول على أنّ رسول الله قد أخبره بذلك.. والله أعلم.

  

خطاب الجنسين- العموم والخصوص- الإطلاق والتقييد:

القاعدة عند الفقير تقول: كلّ خطاب من الشارع يتعلّق في مسألة من مسائل الأحكام فيكون ذكره للرجل هو تخصيص للرجل وذكره للمرأة هو تخصيص للمرأة.. وكلّ خطاب من الشارع يتعلق في مسألة من مسائل السلوك والأخلاق قيكون ذكره لأحد الجنسين يشمل الجنس الآخر، وعلى ذلك قس..

فمثلاً عندما قال : (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء) فلو سكت ولم يُكمل لكان تشبه النساء بالرجال جائزاً، ولكنه أكمل فقال: (ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال).. وفي حديث طلب العلم الذي مرّ معنا: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) فأتى بذكر الجنسين لأنّ خطاب أحدهما في حكم من الأحكام هو تخصيص له بذلك الحكم.. وحديث: (أُحلّ الذهب والحرير للإناث من أمتي وحُرّم على ذكورها)..

أمّا في الآداب فالإتيان بذكر أحد الجنسين هو شامل للآخر، فمثلاً قوله تعالى: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) فيدخل في ذلك الذكور والإناث والرجال والنساء.. وهكذا

وإنّ عموم اللفظ والمعنى هو عموم الحكم، فمثلاً قد حُرّم الذهب على ذكور الأمة وحُلّل لنسائها بشرط أداء زكاته، فيكون بذلك العموم كلّ الذهب بأنواعه وأشكاله المُحلّق والغير مُحلّق والخاتم منه والأساور والسلاسل وما طال منه وما قصر متساوياً في الحكم..

وهناك ألفاظ وعلامات تدلّ أحياناً على عموم النص فمثلاً:

1- التعريف بأل كـ (المسلمين) و (الناس) يدخل فيها كلّ المسلمين وكلّ الناس..

2- أو التعريف بالإضافة كـ (نعمة ربك) و(عباد الرحمن) أفادت كلّ نعمة وكلّ عبد..

3- والاسم النكرة بعد نفي كـ (لا إله) أفادت كلّ إله، وبعد نهي كـ (لا تقولنّ لشيء) أفادت كلّ شيء..

4- وكلّ ما دخل عليه حرفا ( مَن) كـ (مَن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى) أفادت كلّ ذكر وأنثى، أو (ما) كـ (ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه) أفادت كلّ نفقة من أيّ شيء وهكذا.. فإنّ (مَن) تأتي مع العاقل، و(ما) تأتي مع غير العاقل..

5- وما أتى بعد كلمتي (كل) و(جميع)..

وكلّ ما استُثني من خطاب العموم فهو تخصيص، كقوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (.) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (.) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (.) إِلاّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) وكقوله تعالى: (إن الإنسان لفي خُسر (.) إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات)..

وكلّ شرطٍ لا يتحقق الأمر إلاّ به أومرتبط معه فهو تخصيص، فمثلاً قوله تعالى: (ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً) وكقوله تعالى: (لكلّ واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) وكقوله تعالى: (ولا تقربوهنّ حتى يطهرن)..

والإطلاق: هو الإتيان بكلام غير مُحدد وغير مُقيّد بشيء واحد أو أكثر، وكلّ اسم نكرة فهو لفظ مُطلق، ومن أمثلة المُطلق قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)، فأطلق لفظ (رقبة) وكذا في قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) فجاز بذلك كلّ تحرير أية رقبة سواء أكانت مؤمنة أم غير مؤمنة وهكذا، ولكن في موضع آخر نجده قد قيّد كلمة (رقبة) بقوله: (فتحرير رقبة مؤمنة)، فقيّد الرقبة بالإيمان..

والقاعدة تقول: إذا أطلق الشارع اللفظ في مواضع وقيّده في مواضع أخرى، فإنّ اتباع التقييد أولى من اتباع الإطلاق، وذلك كالدم مثلاً، فإنه ورد بلفظ مُطلق وورد بلفظ مقيّد، فأمّا المطلق فهو قوله : (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) وقوله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) وأمّا المقيد فقوله : (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) فقد قيد الدم بالمسفوح، والعمل عند أهل العلم بأخذ حكم التقييد فأن التقييد كان في سورة المائدة والإطلاق في سورتي البقرة والنحل، ونزول المائدة كان بعدهما فكان اتباع التقييد أولى من اتباع الإطلاق، ويعتبرها البعض أنها ناسخة للآيتين الأوليتين..

 

 ضوابط وأصول الشريعة وقواعد الحلال والحرام :

اعلم أنّ هناك قواعداً لابدّ من معرفتها لتحديد الحلال والحرام ، وسنتحدّث عنها بصورة واضحة عن طريق نقاط متسلسلة ليسهل فهمها ، فنقول وبالله التوفيق:-

الأصل في الأشياء الإباحة:

ونقصد بالأشياء الطعام والشراب واللباس والعادات. فكلّ ما لم تثبت حرمته أو كراهته كان مباحاً.. فكلّ ما استثني من الحلال محرّم شرعاً.. وتفسير هذه القاعدة أنّ الطعام مثلاً حلال كلّه إلاّ ما استثناه الشارع كلحم الخنزير مثلاً فحينها يصبح الاستثناء تحريماً، والشراب حلال كلّه إلاّ ما استثناه الشارع منه كالخمر مثلاً، وهكذا.. ولا تدخل العبادات في هذه القاعدة لأنها لا تصح إلاّ بدليل شرعي..

فالدليل على النافي وليس على المُثبِت، أيّ أنّه إذا اختلف اثنان في إباحة شيء أو عدمه، فإنّ القائل بالإباحة لا يلزمه الإتيان بالدليل على صحة قوله، ولكن يلزم المُنكر أو النافي الإتيان به..

فإنّ الأحكام دائماً تعود لأصولها وتُبنى عليها، والحلال أصل لأنّ الحرام مستثنى.. يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا)، فاشترط أن يكون الحلال طيباً وذلك كما ورد في قوله سبحانه: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)..

ولا يُستثنى من الحرام إلاّ ما استثناه الله سبحانه أو رسول الله ، ومن ذلك تحليل الكذب في مواطن ثلاث وهي كذب الرجل على زوجته ليُرضيها (ويُشترط في هذا الكذب عدم تغيير الحقائق والوقائع فيحرم عليه إذا قال لها مثلاً: "أنا غير متزوج عليكِ" وهو متزوج بأخرى، فهذا تزوير للحقيقة.. ويجوز مثلاً أن يقول لها: "أنتِ أجمل امرأة في الدنيا" وذلك من باب الملاطفة لا من باب تغيير الحقيقة، وهكذا)، وكذبه للإصلاح بين اثنين، وكذبه في الحرب لأن الحرب خدعة. ومن ذلك اللعب المُحرّم (كألعاب الورق والنرد لاعتمادهما على الحظ وجلبهما للسفه)، واللعب المكروه (كالشطرنج لعدم اعتماده على الحظ ولكنه يُصنّف لهواً ولعباً) فإنه يجوز اللعب بهما مع الزوجة لحديث رسول الله : (كلّ لهو باطل، إلاّ ملاعبة الرجل زوجته ورميه بقوسه وتأديبه لفرسه)..

النص الصريح في التحريم:

كلّ نصّ صريح بالتحريم فهو على ما جاء في ظاهره.. ومن ذلك الغناء كقوله عليه الصلاة والسلام: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرّ -أي الزنا- والحرير والخمر والمعازف).. فقوله: (يستحلّون) دليل على التحريم؛ وذلك أنّ معنى (يستحلّ) أي يُحلل أمراً كان محرّماً، وهذا للأسف ما نراه اليوم من محاولة الكثيرين استحلال استماع الغناء وإباحة اللهو المحرّم.. والأحاديث الدالّة على تحريم الغناء كثيرة ومنها الصحيح والحسن ومنها الضعيف كذلك، ولكن حتى الأحاديث الضعيفة فإنها لو وردت في الباب الواحد فإنها تؤيد بعضها بعضاً.. ومن تلك الأحاديث:

يقول رسول الله : (استماع الملاهي معصية، والجلوس عليها فسق، والتلذذ بها كفر) وقوله: (من استمع الغناء صُبّ في أذنيه الآنك يوم القيامة) -وهو الرصاص المغلي- وقال : (الغناء ينبت النفاق في القلب)، وفي سنن ابن ماجة عن صفوان بن أمية قال كنا عند رسول الله فجاء عمرو بن مرة فقال: (يا رسول الله، إن الله قد كتب علي الشقوة فما أراني أُرزق إلا من دُفّي بكفّي فأذن لي في الغناء في غير فاحشة ) فقال رسول الله : (لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة عين، كذبت، أي عدو الله لقد رزقك الله طيبا حلالا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله عز وجل لك من حلاله ولو كنت تقدمت إليك لفعلت بك وفعلت قم عني وتب إلى الله أما إنك إن فعلت بعد التقدمة إليك ضربتك ضربا وجيعا وحلقت رأسك مثلة ونفيتك من أهلك وأحللت سلبك نهبة لفتيان أهل المدينة) فقام عمرو وبه من الشرّ والخزي ما لا يعلمه إلا الله فلمّا ولّى، قال النبي : (هؤلاء العصاة من مات منهم بغير توبة حشره الله عز وجل يوم القيامة كما كان في الدنيا مخنثا عريانا لا يستتر من الناس بهدبة كلما قام صُرع)، وقال : (بعثني الله رحمة وهدىً للعالمين وبعثني لمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية).. وقال كذلك عليه الصلاة والسلام: (إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء) فقيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: (إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القينات والمعازف ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء أو خسفا ومسخا).. وعن نافع أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق، وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي، حتى قلت: لا، فرفع يده، وعدل راحلته إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله سمع زمارة راع فصنع مثل هذا . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه..

وعندنا من أقوال الصحابة قول سيدنا عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) فقد أقسم بأنّ لهو الحديث هو الغناء.. ولنا أنّ قول الصحابي وخاصة إن كان من كبار الصحابة يؤخذ به ما دام أنه لم يرد ما يُخالف قوله وخاصةً أنه أقسم بالله، والصحابي لا يُقسم بالله على كذب..

ويؤيّد قول سيدنا عبد الله بن مسعود في صحة عزوه لهو الحديث في الآية المذكورة إلى الغناء الآية التي تليها وهي قوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فإنّ هذه الآية دلّت على المقصود بالآية التي قبلها في لهو الحديث بأنه الغناء؛ وذلك أنّ من اعتاد سماع الغناء والتلذذ به فإنه يفقد حلاوة سماع آيات الله سبحانه، وهذا حقّ لا ريب فيه.. فكلّ غناء أو استماع تسبّب في فقدان حلاوة استماع كلام الله فهو مُحرّم، والشاهد من الآية الأولى: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) ومن الآية الثانية: (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا)، أعاذنا الله من ذلك..

العقوبة الشرعية ودلالتها على الحرمة أو الكراهية:

كلّ فعل وردت فيه عقوبة دنيوية لفاعله (والعقوبة الدنيوية هي الحدود الشرعية) فهو حرام، فعلى سبيل المثال السرقة فلها حدّ وهو قطع اليد، فلذا أصبحت محرّمة..

و كلّ فعل وردت فيه عقوبة أخروية لفاعله (والعقوبة الأخروية هي دخول النار أو عدم دخول الجنة) فهو حرام شرعاً، فمثلاً النميمة قال فيها نبينا الكريم : (لا يدخل الجنة نمّام)، فتصبح بذلك النميمة محرّمة..

وكلّ نهي لم ترد في حقّ فاعله عقوبة أو حدّ شرعي فإنه يصبح فعلاً مكروهاً وليس محرّماً، وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام : (ليس من البر الصيام في السفر) فيكون الصيام في السفر ليس محرّما لعدم ورود عقوبة أو حدّ في حق فاعله، ولكنه يصبح فعلاً مكروهاً لمخالفة السنة..

وكلّ أمر لم ترد في حقّ مخالفه عقوبة أو حد شرعي فإنّ مخالفته تصبح مكروهة وليست محرّمة، ويكون هذا الأمر على سبيل الترغيب وليس على سبيل الإيجاب، كقوله : (أعفوا اللحى)، فحلق اللحية لم ترد في حقّ فاعلها عقوبة أخروية أو حدّ شرعي، فيصبح عندها الأمر هو للترغيب ويكون حكم من خالفه الكراهية لمخالفته السنة.. 

ألفاظ وصيغ تدلّ على التحريم:

كلّ نصّ ورد عن رسول الله ‌ بقوله: (لعن الله...)، أو: (لا يدخل الجنة...) فهو يقتضي تحريم الفعل المنصوص عليه كقوله: (لعن الله الراشي والمرتشي)، وقوله: (لا يدخل الجنة مدمن خمر).

وكلّ ما ورد عن صحابي بقوله: (نهى رسول الله عن ..)، أو: (لعن رسول الله ..)، فالفعل محرّم ما لم يرد فيه نسخ بالجواز أو رخصة بالفعل، وسنتحدّث عن النسخ فيما بعد إن شاء الله..

القليل والكثير في الحلّ والحرمة:

قليل الحلال وكثيره سواء، وقليل الحرام وكثيره سواء، لأنّ الحلال والحرام لا يُجزّءان.. فعلى سبيل المثال الخمر، فإنّ الحق حرّمها، فإن أتى لك آتٍ ودعاك إليها وإلى شرب القليل منها وقال لك إن قليل الخمر لا يُسكر، فلا تطعه، فإنّ ما حُرّم كثيره حرّم قليله، يقول عله الصلاة والسلام: (قليل الخمر وكثيره سواء)..

وما أُبيحت كثرته أُبيح قليله والعكس صحيح كذلك فإنّ ما أُبيح قليله فقد أُبيح كثيره، ويستثنى من جميع قواعد الحلال والحرام كما أخبرنا ما استثناه الشارع، وما علّق حلّه وحرمته بشرط.. والله أعلم.

ومن ذلك فإنّ كلّ ما خبث في أصله أو فرعه وعرف بخبثه فهو حرام لقوله تعالى: (يُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِث).. فإذا كان الأصل خبيثاً كان الفرع مثله (مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة).. والخبيث هو كلّ ما أضرّ ولم ينفع وأدّى إلى الشرّ في بعض الأحيان..

لا ضرر ولا ضرار:

كلّ ما أضرّ بالدين والنفس والعقل والمال والعرض فهو حرام شرعاً لقوله : (لا ضرر ولا ضرار)، فهذا الحديث يعتبر قاعدة أساسية في معرفة الحلال والحرام، فإن حصل الضرر فإنه لا بدّ من إزالة الضرر.. وهذه الخمس المذكورة تُسمى الضرورات الخمس، وهي ما يؤمر المرء بالحفاظ عليه وأداء الحق فيه.. فيكون بذلك كلّ ما كان سبباً في الإساءة إلى أحد هذه الأمور كالمُسكر يؤثر على الدين لأنه يؤدي إلى ارتكاب الحرام، والنفس لأنه يُسبب المرض، والعقل لأنه يُذهبه فلا يدري المرء ما يقول، والمال لأنه يصرفه في غير نفع بل في مضرّة، والعرض لأنه يُذهب الغيرة ويزيل المروءة ولو أن سكراناً تكلّم أحدٌ على عرضه لم يأبه بذلك، وإنا لله وإنا إليه راجعون..

وهناك أمور تكون مكروهة ولكن إذا تعدّت على إحدى تلك الضرورات صارت محرّمة، فمثلاً مشاهدة مباريات كرة القدم فقد أفتى الفقير بكراهتها لعدم نفعها ولما فيها من اللهو الغير مفيد، فلمّا كانت لا تجلب ضرراً فهي خارج حدود المحرّم، ولكن إذا أخلّت بالدّين فضيّع من يشاهدها حقوق ربه وحقوق العباد، أو أضر بعقله فأدمن عليها وصارت هي مبلغ همّه، أو أضرّت بماله فأصبح يستدين لمشاهدتها أو ما شابه ذلك فتخرج حينها من الكراهية إلى الحرمة.. والله تعالى أعلم.

لا وجوب بلا اقتدار ولا حرام مع اضطرار:

فإنّ كلّ واجب يكون لازماً مع الاستطاعة عليه، فمن لم يستطع فعله أُحيل إلى الرخصة، ومن ذلك الصلاة فمن أركانها القيام مع القدرة، فإن لم يستطع القيام أُمر بالصلاة جالساً على أي صورة أراد، فإن لم يستطع الجلوس صلّى متّكئاً ووجهه إلى القبلة، فإن لم يستطع صلّى مستلقياً رافعاً وجهه إلى القبلة فإن لم يستطع سقطت عنه الصلاة ولا صلاة عليه لسقوط الهيئة التي لا تتحقق إلاّ بتوجّه الوجه إلى القبلة لقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ).. وعند الفقير أنّ الصلاة بالإصبع أو بالقلب لا أصل لها، وهي لا تستند إلى دليل شرعي؛ فإنّ العبادات الشرعية لا تصحّ إلاّ بدليل شرعي كذلك.. والحجة في ذلك حديث عمران بن الحصين عندما سأل رسول الله عن الصلاة وكان به مرض فأجابه عليه الصلاة والسلام : (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى الجنب تومىء إيماءً)، فإن عجز عن الإيماء برأسه سقط عنه الفرض في حينه لأنها آخر الرخص وعليه القضاء إن استطاع فإن لم يستطع فلا قضاء عليه، أمّا الإيماء بالقلب فلا يجوز عندنا لأن القلب محلّ الإرادة والنيّة والرأس محل الإيماء والله أعلم ..

ومن ذلك الصوم في السفر والمرض، فإن لم يستطع الصوم فعليه بالفطر، وتحصل الرخصة عندنا بحصول المشقة وغير ذلك لا يجزؤه، يقول تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ - أي لا يطيقونه من جرّاء المشقّة- فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)..

فالواجب لازم مع القدرة التي يكون معها الفعل دون إيذاء النفس، فإن حدثت أذيّة على النفس أو خيف على النفس من الأذى فيمكن حينها الأخذ بالرخصة، يقول رسول الله : (إنّ الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه)

أمّا الحرام فلا يُباح إلاّ عند الاضطرار كما سيأتي في القاعدة التالية....

الضرورات تبيح المحظورات:

لا يمكن للحرام أن يصبح مُباحاً إلاّ في ضرورة واحدة فقط وهي حفظ النفس أو حفظ الحياة، ولذا تكون قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات هي قاعدة مشروطة بحفظ الحياة فقط، لأنها لو كانت غير محدودة فإنها ستفتح مجالاً رحباً في تحليل الحرام وإباحة المحظور مع أنه لم يرد في شرع الله شيء يبيح ذلك إلاّ الخوف على النفس من الهلاك، فيُؤخذ من ذلك الحرام بقدر ما يحفظ النفس من الهلكة.. ويُسمى ذلك في الشرع: "الاضطرار"، يقول تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) ويقول سبحانه: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، ويقول كذلك: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)..

وتُباح بعض الأمور الخاصة لحفظ الدين والأعراض، فمثلاً يُباح القتل شرعاً للحفاظ على العرض (من مات دون عرضه فهو شهيد)، وفي الجهاد يُباح كذلك قتل العدو لحفظ الدّين، ومن ذلك كذلك شُرع القصاص لحفظ الدين والنفس والمجتمع (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب)..

درء المفسدة مقّدم على جلب المصلحة:

درء المفسدة مقّدم على جلب المصلحة؛ لأنّ درء المفسدة واجب، وجلب المصلحة يكون على قدر الاستطاعة، وذلك لقول رسول الله : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) ..

وهنا تتجلى حكمة الشرع في أنه يحرص أن يذبّ الخطر عن أتباع الدين، فالابتعاد عن المفاسد مقدّم على تحصيل المنافع.. وكلّ أمرٍ كان ضرره أكبر من نفعه كان تركه واجباً (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)..

وأيّ أمرٍ كان به فائدة وضرر، وكان بمقدورك أن تجتنب ضرره وتحصل فائدته صار لا باس به؛ وذلك لأنّ القاعدة تقوم على درء المفاسد، فلمّا صفي الأمر عن المفسدة خرج بذلك عن حدّ الحرج والمنع..

الاختيار للأيسر:

إذا اجتمع أمران فالاختيار للأيسر، لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) ولقوله : (يسّروا ولا تنفروا)، وقوله: (إنّ الدين يسر).. وقد بُني هذا الدين على رفع الحرج والمشقة، يقول تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقال : (إنّ الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)..

ولنا في هذه المسألة حديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: (ما خُيّرَ رسول الله بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه)..

واليسر يعني عدم المشقة ورفع الحرج، ولا يعني ما يفعله البعض من ارتكاب المحرّم بحجة أن الدين يُسر وأنّ الله غفور رحيم..

والتيسير فيه التخفيف والتخفيف فيه الرحمة والرحمة تُحبّب الناس في الدين (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ).. ومن أخذ نفسه بالقسوة والشدّة لم يورثه ذلك إلاّ الوهن والفتور (ولن يُشاد أحد هذا الدين إلاّ غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا)..


أسأل الله سبحانه أن يمنّ علينا والجميع بكرمه وجوده وإحسانه،وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

لا يوجد اي تعليق على هذا الموضوع
  • صفحة 1 من 1
التعليق:
التعليق على المواضيع خاص للأعضاء المسجلين فقط
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع هدىً للعالمين © 2014
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تعديل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تسجيل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
دخول
أعلى الصفحة