مرحبا بك الزائر الكريم وبامكانك تسجيل الدخول من الاعلى



حقائق النفس» ميزان الطريق مع الله تعالى والترقي فيه


الطريق مع الله سبحانه والسلوك إليه ينقل المرء إلى عوالم النور ويرقّيه فيها، لذا فهو ترقية كاملة دائمة ما دام المرء في النور، فنور الله مطلق لا انتهاء له، فمن كان يتقلّب في نوره سبحانه فسيظلّ يترقّى إلى ما لا نهاية، بشرط أن لا يقع في المحظورات والمحرّمات فإنها هي التي تهبط بالمرء إلى عوالم السفل والظلمة، فعلى المؤمن أن يداوم التضرّع إلى الله سبحانه والرجوع إليه والتذلل بين يديه والاستغفار له حتى يمحو الله سبحانه ذنبه ويستر عيبه ويقيل عثرته..

لذا فإنّ المؤمن يكون على ميزان الزيادة والنقصان، فعليه دائماً أن يزن نفسه، وفي ذلك قال سيدنا عمر بن الخطّاب : (حاسبوا أنفسكم قبل ان تُحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم)، فمن وزن نفسه استقام أمره، وصلح حاله، ومن تركها للهوى يقودها خابت وخسرت.. والمرء بصير على نفسه، يقول تعالى: (بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (.) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)، وهناك أمور يمكن للمرء أن يعرف بها نفسه هل يتقدّم أم يتأخر، وهل هو في صعود أم في هبوط، وألخّصها في بعض أمور، هي في مجملها ميزان الطريق مع الله تعالى والترقي فيه:

أوّل ذلك القرب من الله تعالى، فانظر إلى نفسك هل زدتَ قرباً من الله تعالى مذ بدأتَ الطريق معه أم زدتَ بُعداً؟ فاستبشر إن كنتَ في زيادة وصحّح نفسك إن كنتَ على غير ذلك. فمن كان على هدىً من ربّه ازداد قربه ممّن بيده مقاليد الأمور، وازداد رضاه عنه وصبره له وتوكّله عليه وتعلّقه به وولاؤه له وحبّه لمن أحبّه وبغضه لمن أبغضه، فانظر ما درجة ذلك لديك؟ فإن كان ذلك في زيادة فأنت على الطريق المستقيم.

ومن علامات زيادة القرب منه سبحانه زيادة الخشية منه والخشوع له، وأفضل ما ترقب ذلك في صلاتك، فهي علامة قربك ومظهر سرّك، فكلّما زدتَ أمامه خشوعاً كلّما كان ذلك دلالة على مقدار قربك منه؛ لأنّ الصلاة هي صلتك به، فإن خشعتَ ربع صلاتك فمقدار قربك الربع، وإن خشعت الثلث فمقدار قربك الثلث، وإن خشعت النصف فمقدار قربك النصف، وهكذا إلى أن تكون في كلّ صلاتك خاشعاً خاضعاً مراقباً حاضراً فحينها تعلم أنك صرتَ من المُقرّبين..

ومن علامات الترقي في طريق الله أن ينتج لديك حبّ رسول الله وحبّ هديه وزيادة اتباعه، فانظر إلى نفسك، هل بدأتَ تزن أفعالك بميزان رسول الله ؟ هل أصبحتَ تحبّ موافقته وموافقة نهجه؟ هل صرتَ ممّن قال رسول الله فيهم: (لا يؤمن أحدكم حتى يصبح هواه تبعاً لما جئتُ به)؟.. ومن علامات حبّ رسول الله حبّ أعمال البرّ، فتراك أصبحتَ تحبّ الصدقة والعطاء والكرم والإحسان إلى الفقراء والأيتام والأرامل والمساكين والعطف على الضعفاء والمحتاجين، فإن زاد لديك حبّ الآخرين والتواضع لهم ونشر المعروف وحبّ الأعمال الصالحة فأنت في زيادة وعلى الصراط المستقيم، وإن غير ذلك فقوّم نفسك وتدبّر أمرك.

وأصل الترقي هو الترقي في الأخلاق والآداب، فإنّ الطريق يرقى بالأخلاق ويحسّنها ويزيّنها، فانظر إلى أخلاقك السيئة هل قلّت؟ وانظر إلى أخلاقك الحسنة هل زادتَ؟ فإنه ما دمتَ تتخلّص من الرذائل ولو تدريجاً وتكتسب الفضائل فأنت على هدىً ونور، ولكن إذا كنت في الاتجاه المُعاكس فانتبه فهذا ليس دأب الصالحين، فإن السالك الحقيقي هو من يزيد في أخلاق الصالحين؛ لأنّ طريق النور هو طريق الأخلاق والتزكية، وطريق الظلام هو طريق الشرور والقبائح.. وهذا كلّه ينعكس على نظرتك للأمور؛ لأنّ المؤمن يصبح ينظر إلى الأمور بعين من نور (فإنه ينظر بنور الله) فترى المؤمن دائماً تسرّه حسنته وتسوؤه سيئته، بل وتراه يحبّ أن ينظر إلى الأمور بإيجابية، وتراه يجد الحلول ولا يغوص في المشكلة ويغتمّ لها اغتمام العاجز الذي سيهلك، يقول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) صدق الله العظيم.. فالهداية نتاج الإيمان، والإيمان آداب وأخلاق، يقول رسول الله : (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)..

فاحرص أن تزيد أخلاقك بهاءً، واخفض جناحك لكلّ مؤمن، وانفع أخاك، فقيمتك هي مقدار نفعك لغيرك، ولا تقابل السيئة بالسيئة، ولكن قابلها بالإحسان، واعفُ عمّن ظلمك، وصل من قطعك، وأعطِ من حرمك، ولا تتكبّر على خلق الله، وقابل الكلّ بالوجه الطليق، فإن زادت أخلاقك فأبشر، وإن نقصت فاحذر..

ومن الأمور الهامّة التي تزن بها نفسك، هي الزيادة التي تحصل في ذاتك، فتراك يزيد عقلك حكمة وقلبك رحمة، وهذين من أهم ما ينتجه الترقي في طريق الله سبحانه، فإنك إن وجدتَ أنك أصبحتَ ذا فكرٍ سليم ونظرة أعمق للأمور وبدأتَ تعقل عن الله وتفهم عنه فاعلم أنك تترقى في الطريق؛ لأنّ نور الحق إذا أشرق في الذات انتشر فيها، فأصاب كلّ جزءٍ منها بحظه منه، فترى العقل استنار، والقلب ملأه الحال، والنفس ازدانت بالخير والصلاح، والروح ازاددت توجّهاً لمولاها..

أمّا إن وجدتَ أنّ عقلك بدأ يغيب، وأنك أصبحت كالتائه، وأنك لا تعرف كيف تفكّر أو تزن الأمور أو أنّ حكمتك قلّت وذكاءك نقص فاعلم أنك تسير إلى الهاوية، أو أنّك في جذب لا بدّ أن تفيق منه، فالحذر الحذر، فإنني وجدتُ الكثيرين اهتمّوا لقلوبهم وأهملوا عقولهم وعدّوا أنفسهم كالميّت بين يديّ الغاسل فضلّوا الطريق بحجّة أن العقل عاجز أن يعرف الحق، وليتهم عرفوا أنّ الأصل في المعرفة هو العقل؛ لأنّ العقل هو رأس الأمر، وهو أوّل ما خلق الحق وأوّل ما استجاب له، يقول رسول الله : (إنّ أول ما خلق الله العقل)، وأنّ ثمرة العقل الحكمة وأداته الفكر ومن لم يعقل أمره ضاع قلبه وافتضح سرّه، والعقل هو أشرف الخلق وهو النور المحمّدي والقلم الأعلى، وقد روى الطبراني في معجمه أنّ رسول الله قال: (لمّا خلق الله عزّ وجل العقل، قال له: قم فقام، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: اقعد فقعد، فقال: وعزتي ما خلقتُ خيراً منك، ولا أكرم منك، ولا أفضل منك وأحسن، بك آخذ وبك أعطي وبك أُعرَف، وبك أعاقب، وبك الثواب وعليك العقاب).. 

وكذلك من الأمور الهامّة الزيادة في تذكّر الآخرة وحبّ لقاء الله تعالى وحبّ التزوّد لذلك اليوم وكثرة تذكّر الموت، وزيادة السكينة وقلة اللهو، والزيادة في الوقار والهيبة وأن يُصبح الآخرون يقبلون عليك ويحبّونك..

فهذه بعض الأمور التي يمكن للمرء أن يزن بها نفسه، وهذه هي محددات سبيل الرشاد، فاجعلوها قوامَ أنفسكم وميزان طريقكم تفلحوا وتنجحوا، وسدّدوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أنّ الفتور عن العبادة ليس دليلاً على الهبوط أو التراجع فإنه كما ورد عن رسول الله : (إن لكلّ عابدٍ شِرَّة -أي نشاط ورغبة- ولكلّ شِرَّة فترة -أي فتور- فإمّا إلى سنة وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك)، وهذا من الطبيعي حيث أنّ الجسد يصيبه أحياناً التعب والإرهاق كما يمكن أن تصيب المرء انشغالات في حياته، فلا يعني ذلك أنه ضلّ سبيل الهدي، والمقياس هو ما ذكرناه.. والله أعلم.

واللهَ اسأل أن يهدينها وإياكم سبيل التقى والرشاد وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين..

الاسم : محمد الشيمى

التعليق :
لو تكرمتم التأكد من تخريج حديث إن أول ما خلق الله العقل ..

5/19/2015 9:42:29 PM

الاسم : محمد الشيمى

التعليق :

5/19/2015 9:43:35 PM

الاسم : محمد الشيمى

التعليق :
وجزاكم الله خير الجزاء , ونريد أن نعرف أكثر عن المسئولين عن هذا الموقع :)

5/19/2015 9:49:25 PM

  • صفحة 1 من 1
التعليق:
التعليق على المواضيع خاص للأعضاء المسجلين فقط
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع هدىً للعالمين © 2014
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تعديل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تسجيل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
دخول
أعلى الصفحة