مرحبا بك الزائر الكريم وبامكانك تسجيل الدخول من الاعلى



الإسلام.. قيم وحضارة» محمد صلى الله عليه وسلم رسول الإنسانية

لقد أرسله الحقّ سبحانه رحمة مهداة، فكان عليه الصلاة والسلام معدن الرحمة الإلهية، وكان نبراسها وشعاعها، فهو الظلّ لحضرة الرحمانية، وهو قمر الهدى، وشمس الرسالة.. ولمّا استودع الله سبحانه جُلّ رحمته إلى يوم القيامة لقوله عليه الصلاة والسلام: (أخّر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة)، فقد استودع نبيّنا دعوته الخاصة به إلى يوم القيامة؛ يقول عليه الصلاة والسلام: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كلّ نبي دعوته، وإنّي أختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).. فكانت تلك الدعوة رحمة وشفاعة، فقد دعا كلّ نبيّ على أمته وأخّرها محمد لأمته؛ ليعكس في ذلك الموقف خصوصية التجلّي في المقام المحمود المستمدّ من حضرة (فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد من قبلي ولا يحمده بها أحد بعدي)، فتنخلع عليه خلع الجليل (يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تعطه، واشفع تشفّع).. فماذا يسأل ربّه ؟ إنها الشفاعة والرحمة لأمّته.. أخّر الله فأخّرتَ يا سيدي يا رسول الله، وأدناك في الموقف العظيم فقربت، وخررتَ له ساجداً وحمدت، وعلى رؤوس الأشهاد رفعك وكُرّمت، وناديتَ: "أمتي أمتي" فكنتَ لأمتك ذخراً وبذلك بين الأمم شرفت..

الحمد لواؤه ؛ لأنّ الحمد هو الجامع لأحوال الكمال، والرحمة مقامه وخُلُقُه؛ فهي سيّدة الأخلاق والجامعة لمقامات الإحسان، ومنها نشأ كلّ خلق حسن.. وبالحمد والرحمة يبرز سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يوم الحشر، بل ويُعطى فيهما ما لم يكن لأحد قبله ولا يكون لأحد بعده.. أمّا الحمد فإنه يُكرم بمحامد لم يُحمد الحقّ بها قبل ذلك؛ ويحمل عليه السلام لواء الحمد وآدم عليه السلام ومن دونه تحت لواء الحبيب.. وأمّا الرحمة فإنّ الحبيب عليه الصلاة والسلام يُعطى الشفاعة العظمى وهي خصوصية لا يستطيعها أيّ نبيّ أو رسول.. وهاتان الخصلتان وردتا في سورة الفاتحة التي قال الحق عنها في كتابه العزيز: (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) فأعلى الفاتحة ومبدؤها قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (.) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)..

والرحمة عند رسول الله رحمة إلهية متأصّلة فيه جامعة للكمالات بجمعية اسم الله الجامع لجميع المجامع، يقول الحقّ سبحانه وتعالى:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ)، فقبل أن تتنزّل عليه تلك الرحمة من الله ابتدأه سبحانه بثلاثة أحرف: الفاء والباء وما، ففاء التبعية وباء الواسطية وما الصلة؛ فاستحقّها عليه السلام لتبعيته لمولاه واعتماده عليه بواسطة التوكل وصلته به بصلة المحبة، لتجيئ بعد ذلك رحمة الحق متنزّلة على قلب الحبيب من حضرة جلال الألوهية المستقاة من الاسم الجامع للأسماء الكماليّة. وكسر تلك الرحمة لأجله عليه الصلاة والسلام فهي رحمة انكسارٍ أمام هيبة الله سبحانه. ولمّا كسرها له بقوله: (رحمةٍ) رفعه الحقّ جلّ وعلا بشرف الخطاب فقال: (لنتَ لهم)..

وما أجملها من كرامة منّ الله سبحانه بها على الحبيب عندما قال له: (لنتَ لهم) فكانت له من الله مبادأة، وكانت لنبيّه موسى عليه السلام طلباً؛ حيث خاطبه جلّ وعلا: (فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)، فكان ذلك اللّين الذي استودعه الحقّ نبيّنا عليه السلام أصلاً وليس تعمّلاً ولا جهداً.. وتلك هي الرحمة المتأصّلة التي طُبعت فيه عليه الصلاة والسلام فاستلطف بها النفوس واستمال بها القلوب.

وفي ذلك قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فهرع الصحابة ليقعوا به، فناداهم إمام الرحمة قائلاً: (لا تزرموه، دعوه) أي لا تقطعوا عليه بوله، فلمّا انتهى الأعرابي أمر حبيب الله أصحابه بأن يأتوا بدلو ماء ليصبّوه على البول، فقال له رسول الله قولاً ليّناً وعلّمه تعليماً زكيّاً فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن..) أو كما قال عليه السلام، فإذ بالأعرابي يقول: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً) فيردّ عليه سيّد الأنام: (لقد حجّرت واسعاً)..

وفي قصة ثمامة بن أثال عبرة عظيمة في لين رسول الله ورأفته وعفوه، والتي قال ثمامة بعد أن رأى من رحمته عليه الصلاة والسلام ما رأى: (يا محمد، والله ما كان على ظهر الأرض وجهٌ أبغض إليّ من وجهك، وقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ.. ووالله ما كان دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين كله إليَّ.. ووالله ما كان بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ)..

وكفانا مثالاً على رحمته التي شملت كلّ شيء كما وسعت رحمة الله سبحانه كلّ شيء أنه لم يكن يبعث جيشاً أو سرية إلاّ أوصاهم قائلاً: (اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأةً ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً بصومعة ولا تقربوا نخلاً ولا تقطعوا شجراً ولا تهدموا بناءً).. إنها تلك الرحمة التي شملت البشر والشجر والثمر بل حتى الجماد..

وبعد أن كسر الرحمة المتنزّلة في قلب الحبيب، ملأه بها فاستحال رحمةً مهداة، وخاطبه بسرّ الخصوصية قائلاً جلّ وعلا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)؛ ففتح الرحمة له فكانت هذه رحمة الفتح التي تناسب مقام الرسالة وهو مقام القيادة للأمّة، وجعله عليه الصلاة والسلام عينها وعمّمه على العالمين، فكان مفخرة العوالم، وكوكبة الأوادم، فاستثنى للتخصيص وعمّم للتخليص.. استثنى بقوله: (إِلاّ رَحْمَةً) فخصّصه بها، وعمّم بقوله: (لِلْعَالَمِينَ) فكان بما اختُصّ خلاصاً للخلائق من العذاب إلاّ من سبق عليه القول واستحقّ الخلود في النار.. فرحمة الفتح تورث الفتوح من الله سبحانه لذا جاءت الكلمة مفتوحة (رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وهي الرحمة الواسعة التي تعطي التوسّع والانتشار والنصر في العالم كلّه؛ ألا ترَ أنّ الحقّ استطرد بعد قوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ.. إلى قوله.. فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) بقوله سبحانه: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ)..

فكلّ رحمة يفتحها الله سبحانه لأحد من خلقه تثمر التوسّع؛ يقول تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا)، وها هو سبحانه عندما تجلّى لرسوله برحمة الفتح وخاطبه قائلاً: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (.) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا)، انظر كيف قال بعدها: (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا)، وقد أثابه بعدها فتح مكّة التي كانت بداية الفتوحات الإسلامية.. والتي قد ضرب رسول الله عليه من الله خير صلاة والسلام أروع الأمثلة في عفوه ورحمته يوم قال: (ما تظنّون أنّي فاعلٌ بكم؟.. اذهبوا فأنتم الطلقاء).. وكذلك الفتح العظيم الذي يكون آخر الزمان والذي يملأ الأرض بأسرها أصله ومبدؤه قوله تعالى: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ)..

فالانكسار أمام الحقّ يورث اللّين مع الخلق، واللّين معهم رفعة بينهم، ومن ذلك قوله : (من تواضع لله رفعه) وقوله: (وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلاّ عزّاً)..

ومن خصائص رحمته أنّ الجنة خُلقت من نوره عليه الصلاة والسلام وهو نور الرحمة، وذلك أنّ الأخلاق والصفات جميعها تستمدّ مادّتها إمّا من الجنّة إن كانت صفات حسنة، أو من النار إن كانت صفات سيئة.. فمرتبتك في الجنة هي أخلاقك وصفاتك الحسنة سواء أكانت تلك الصفات روحيّة أم قلبية أم نفسية أم عقليّة؛ فمجموعها أنت.. وتلك الأخلاق كلّها جُمعت في كلمة واحدة هي كلمة (الرحمة).. يقول الله سبحانه وتعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) فسمّى الجنة "رحمة الله"، فكان نور الجنة هو نفسه نور الرحمة وهو نفسه نور الحبيب محمد ..

فهنيئاً لنا بك يا نبيّ الرحمة، ولنفرح أن جعلنا الله سبحانه من أتباعك وأحبابك، يقول تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)..

فرحنا به يوم مولده لأنه هديّة الحقّ لنا فهو القائل: (إنما أنا رحمة مهداة)، مع أنّ هذا اليوم هو نفسه يوم وفاته ، ولكنه حيٌّ دائماً بيننا وفي قلوبنا وفي سائر مواقفنا، فصلاة الله على نبيّ الهدى، وجمعنا معه يوم الجمع تحت لوائه لواء الحمد، وسقانا من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً، وجعلنا من أهل جواره في الفردوس الأعلى.. آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين..

لا يوجد اي تعليق على هذا الموضوع
  • صفحة 1 من 1
التعليق:
التعليق على المواضيع خاص للأعضاء المسجلين فقط
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع هدىً للعالمين © 2014
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تعديل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تسجيل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
دخول
أعلى الصفحة