مرحبا بك الزائر الكريم وبامكانك تسجيل الدخول من الاعلى



حقائق النفس» الانسان ومكوّناته .. الجسد والروح والعقل والنفس والقلب

إنّ الله سبحانه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وتفضّل عليه بالتعليم، وحفظه مُذ كان نطفة في رحم أمّه وقلّبه في التنعيم، وأغدق عليه الخير العميم.. سبحانه، خلق لابن آدم الأشياء وخلقه لعبادته وحده.. وأعطاه جسداً كالآلة يتصرّف بها عن طريق أعضائه وحواسّه، وجعلها مكيّفةً لأداء سائر الوظائف التي يريدها هذا الإنسان.. وأعطاه أعضاء وأجهزة داخلية وتكفّل الحق بوظائفها الجهاز الهضمي والتنفسي والدوري الدموي، وغير ذلك، فسبحانه من خالق.. كما أعطاه أجهزةً معنوية يقوم من خلالها بالتصرّف والفعل وهي النفس والعقل والقلب وعنها يحاسبه لأنها هي أدواته التي يقود بها جسده.. كما أعطاه الروح وهي فيضة نورانية استودع الحق بها جميع أسمائه الإلهية وصفاته وجعلها أساس حياة هذا الإنسان بما فيها من سرّ الاسم (الحي)، وجميع ما يقوم به هذا الإنسان من أمور هو بأسرار تلك الأسماء المستودعة في هذه الروح..

عموماً سنحاول كشف اللثام عن أسرار تلك المعاني الخفية، وسنركّز في الحديث على العوالم المعنوية الثلاثة وهي العقل، والنفس، والقلب، كما سنتكلم عن بعض ما يتعلّق بالروح.. وذلك أنه من الأفضل أن يعرف السالك إلى الله سبحانه ما يتعلّق بعوالمه حتى يستطيع التعامل معها..

فاعلم أيدك الله بروح قدسه، وأوردك موارد أنسه، أنّ الحقّ سبحانه جعل هذا الإنسان هو أشرف مخلوقاته لأنه استودع فيه كامل سرّه (إنّ الله خلق آدم على صورته)، وهذا السرّ هو في تلك اللطيفة الغيبية والفيضة النورانية المسمّاة بالروح.. فبالروح يُشهد الحق سبحانه لأنها تعشق أصلها، وإلى هنا ستتوقف العبارة لأنها تعجزعن توضيح الأذواق الروحية، وليحذر المرء هنا من القول بالحلول..

واعلم أيها السالك طريق الهدى أن الله سبحانه جعلك على صورة هذا العالم الكبير، فكلّ هذا الكون مجموع فيك، ولذلك كان شرفك عظيماً، ومن هنا وجب عليك حمل الأمانة التي عجزت عن حملها الأكوان، فاحرص على أن تقود كونك بالحق الذي قد وضعه الحق فيك..

واعلم أنّ الحقّ سبحانه قد وضع في تلك الروح أسرار (كُن)، و(كُن) هي توجه الحقّ بالإيجاد، ولها ثلاث مراتب: العلم، والإرادة، والقدرة.. فكلّ شيء كان في حضرة العلم الإلهي القديم، فإذا أراد الحق ظهوره بالإرادة الإلهية توجه عليه بالقدرة فكان كما أراده الحق.. وهذه المراتب الثلاثة قد استودعها الحق فيك أيها الإنسان، فأعطاك العلم وأعطاك الإرادة وزودك بالقدرة التي يمكنك من خلالها تحقيق ما تريد، ومن هنا كان لمولاك عليك الحجة البالغة، فاحذر الجور مع كونك الذي أقامك عليه والزم العدل لتحظى بالسعادة الأبدية.. واحرص على تعلّم ما هو نافعٌ لك، فإن تعلّمت ما ينفعك كان عليك أن تنزّه إرادتك عن إرادة السوء، وتجعل إرادتك سامية بأن لا تريد إلاّ كلّ طيب مباح، ولا تستخدم تلك القدرة في تحقيق أو فعل ما يغضبه منك.. بهذا تشرف أفعالك وتسمو غاياتك، وتنل السعادة الأبدية؛ لأنك أدّيت حق الله سبحانه فيما ملّكك من عوالم وأكوان في داخلك..

فالعقل هو صورة القلم الأعلى الذي يكتب بالنور في لوح النفس، استمداده من لطيفة الروح الإنسانية التي وضع الحق فيها سرّ (كُن)، ومداده الأنوار والأسرار الأسمائية المستودعة بقدرة الله سبحانه في تلك الروح، وسلاحه الحكمة، وآفته الحُمق، وأداته التفكّر.. فبالتفكّر يُستجلب العلم من ذاك العقل الذي شرفتَ به أيها المخلوق..

واعلم أيّدك الله سبحانه بأنواره وأفاض عليك من بديع أسراره، أنّه لمّا كان القلم الأعلى لا يكتب إلاّ في اللوح المحفوظ، كان عقلك الذي هو صورة ذلك القلم لا يكتب إلاّ في نفسك التي هي صورة اللوح المحفوظ الأعلى.. وللعلم فإنّ اللوح المحفوظ لا تكون الكتابة فيه عبارة عن حروف، إنما الكتابة في اللوح المحفوظ عبارة عن صور وأحداث كأنها مشاهد حية، فالناظر في اللوح المحفوظ يراه مكتوباً بالنور، فإن نظر داخل ذلك النور وجد صوراً متحرّكة ومشاهد مختلفة..

ومن هنا كان ذلك معكوساً في نفسك، فإنّ الحق سبحانه أعطاك خاصية التخيّل، فتراك أحياناً تفكّر في أمر ما فتصور في مخيلتك مشاهد مختلفة وتصنع أحداثاً خيالية وتكوّن مواقف مختلفة وتضع الشخصيات وكأنك تصنع شريطاً مصوّراً.. وذلك هو كتابة العقل في لوح النفس نتيجة التفكّر..

فأنت الحاكم على عقلك، وأنت من تمليه ما يكتبه، فاحرص على أن لا تتفكّر إلاّ فيما ينفعك ويصلحك.. واجعل تفكّرك في عظمة الله، ورعايته لك، وحرصه عليك، وتفضّله ومنّه، وكيف أنت تقابل ذلك الإنعام، وماذا سيكون موقفك أمامه يوم العرض عليه..

واعلم وفقك الله سبحانه، أنه قد استودعك مادّة الخيال، وهي صورة عن عالم البرزخ، فخيالك هو برزخك الروحي، وهذه المادة هي من أشرف المواد المستودعة فيك أيها المخلوق.. والخيال يختلف عن التخيّل، فالتخيّل تصنعه أنت، والخيال لا صنعة لك فيه.. التخيّل من عالم النفس نتيجة التفكّر والتصوير الناتج عن العقل، أمّا الخيال فهو مشاهدة الروح لعالم الصور البرزخية فينطبع ما رأته في ملكوت القلب..

ومن ذلك أنك ترى في بعض الأحيان ودون تصنّع أن شخصاً ما يدقّ بابك، وإذا هي هنيهات وبابك يطرق، وإذ به ذلك الشخص الذي رأيته في خيالك.. وهذا من أسرار عالم الخيال الذي وهبه الحق فيك، وهو حقّ لا شكّ فيه..

أمّا القلب فهو صورة العرش الأعلى، وهو دائرة ملكك، فإنه إن انصلح قلبك صلحت سائر عوالمك، وإن فسد فسدت سائر عوالمك.. ولن يصلح قلبك حتى يسلم من الأغيار، وحتى يستنير بأنوار الحق، فتفيض فيه فيوضات الكريم، وتهبّ عليه نسائم المحبة..

ولمّا كان العرش هو محلّ السعة الرحمانية كان القلب هو مجلى الرحمات والأحوال.. فبدون الرحمة لا يتسع، فمن أراد أن يشرح الله صدره بنوره سبحانه فليجعل قلبه رحمانياً، وليجعل الرفق رفيقه، والعطف على الخلق حاله، والمحبة للكلّ شرابه، فبذلك ينال مقام العرشيين (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا)..

واعلم أنّ كلّ ما يطبع في النفس ويُكتب فإنه ينعكس على القلب، فالقلب مرآة النفس.. لذا فإنك إن كتبت الخير في لوح نفسك انعكس على القلب بالانشراح والسعة، وإن أنت كتبت الشر في لوح نفسك انعكس على القلب بالقبض والضيق..

فالعقل كاتب، والنفس صفحات، والقلب معاني ما يكتبه الكاتب في تلك الصفحات.. فإياك أن تستهين بالعقل فهو أشرف مخلوقات الحق، وهو أداة المعرفة، فتقرّب إلى مولاك بأعمال العقل كما تتقرّب إليه بأعمال البر.. فشرف العقل مستمدّ من شرف القلم الأعلى، ألا ترَ أنّ من غاب عقله رُفع عنه القلم؟!.. وبنور العقل تنال شرف الأخلاق، (ن، والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإنّ لك لأجراً غير ممنون، وإنك لعلى خلق عظيم).. فافهم هذه الإشارات ففيها فلاحك وعلو شانك أيها السالك النجيب..

ونور العقل هو الحكمة، والحكمة فيض الروح بسرّ اسمه (الحكيم) على عالم العقل، فيدرك بذلك الإنسان ما خفي من أمور، لذا فـ (الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها).. فمن استنار عقله بنور الحكمة، أضاءت في بواطنه أسرار الفكرة، فبالفكر السليم تُدرك الأمور، وبالفكر السليم يُنال العلم.. ولن تصبح حكيماً حتى تجعل الله هو مرادك، فإن كان الله مرادك حرصت على قربه، وإن حرصت على قربه فتح لك فتحاً مبيناً، فأدناك منه، وعلّمك ما لم تكن تعلم (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) وهنا يكون الحق هو دليلك وهو بيانك وهو معينك وهو وكيلك وهو سائر عوالمك، فعند ذلك تشرق تلك العوالم بنور ربها، وتصبح عبداً ربّانياً لأنك تكون حينها من المُصطفين الأخيار..

واعلم أنه لا يضر العقل إلاّ نار الشهوة، فإنّ الشهوة تتطلّع إلى العالم السفلي، والعقل يتطلّع إلى العالم العلوي، والعالم العلوي لا يجتمع مع العالم السفلي.. وإننا لا نقصد هنا إلاّ الشهوة المذمومة لأنها من الشيطان، فاحذرها حتى لا تكون من أتباع الشيطان، فبها هلاكك، وبقدر ما تقع فيك نفسك ظلمات الشهوة، بقدر ما تبتعد عن عالم النور والحكمة التي أرادك الحق فيها..

وكما أنّ الشهوة هي طمسٌ لأنوار العقل، فإن الغضب هو طمسٌ لأنوار القلب، وإنّ الكِبر هو طمسٌ لأنوار النفس.. وإني أعطيك ما فيه صلاحك، فاحرص أن تبقى بعيداً عن هذه الصفات الثلاثة لأنها أخطر ما يكون على سالك طريق الحق، وهي أصل كلّ شرّ.. فالشهوة تورث الفحشاء ونسيان الحق، والغضب يورث العمى عن الصواب، والكبر يورث الظلم والتجبّر..

واعلم جعلك الله من أهل كماله، أنّ لكلّ واحد من هذه العوالم سيرٌ إلى الله، فبه يكمل سيرك، وبه تكمل حقيقتك.. فالعقل سيره يكون بإمعان الفكر في عظمة الله سبحانه، واستحضار كبريائه وعلوه سبحانه فوق كلّ شيء، وبالعقل تُدرك قدرة الحق وقوته وجبروته وعظمته وارتفاعه، وبالعقل تدرك حقائق الأمور، وتُعرف حقيقة الدنيا والآخرة، وأنّ الدنيا دار عمل واختبار وفناء، وأنّ الآخرة دار حساب وبقاء فنعيم أو عذاب، فالبصير إن نظر إلى الدنيا عرف أنه مُستخلف فيها فيقوم بحق الله بعمارتها وأداء حقوق النفس والبشر، وينظر إلى الآخرة فيعلم أنها مصيره الذي لا بدّ أن يرده، فيحرص على عمارة آخرته بالصالحات.. والنفس سيرها يكون باكتساب الصفات الحميدة والآداب الزكية وحرصها على الخير.. أمّا القلب فسيره باعتياده الخشوع والخشية والرحمة وصفات الجمال، وتصفية القلب ليكون بيت الحق (لم تسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن)..

أمّا الروح فسيرها يكون بدوام شهود الحق، والتطلّع إلى قربه، وتعشّق الحضور معه، واستشعار هيبته سبحانه التي خضعت لها الأكوان..

فأنت له كلّك، فسر إليه بكليتك، وطهّر عوالمك استعداداً للدخول عليه، فإنّ الصلاة لا تُقبل إلاّ بالطهارة، وصلتك به كذلك لن تُقبل إلاّ بطهارة ذاتك له، وبنظافة باطنك من أوساخ البشرية وأوحال الذنوب والخطايا، حينها تستحق الدخول لحضرته، وقيام روحك أمامه سبحانه على بساط التوحيد مستفيضةً من أنوار القدسية، وتنعم بشهوده وتكن من رجال حضرته..

جعلنا الله سبحانه وجميع أخواننا من الذين لا يعرفون سواه، ومن الذين لا يشهدون في سرّائهم وضرّائهم غيره، آمين، آمين..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

لا يوجد اي تعليق على هذا الموضوع
  • صفحة 1 من 1
التعليق:
التعليق على المواضيع خاص للأعضاء المسجلين فقط
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع هدىً للعالمين © 2014
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تعديل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
الاسم:
البريد الالكتروني:
تسجيل
رمز المستخدم:
كلمة المرور:
دخول
أعلى الصفحة